تستند الخلفية الأيديولوجية والفكرية لـ«شبيبة التلال» إلى مزيج من التيارات الدينية والقومية المتطرفة، في مقدمتها الكاهانية (نسبة إلى الحاخام المتطرف مائير كاهانا)، وهو تيار عنصري يدعو صراحة إلى رفض أي مساواة بين اليهود وغير اليهود، ويدفع باتجاه طرد الفلسطينيين من كامل أرض فلسطين التاريخية.
ويضاف إلى ذلك تيار اليهودية القومية المتشددة، الذي يمزج بين الأرثوذكسية الدينية والنزعة القومية الراديكالية، ويرفض نموذج «الدولة اليهودية الديمقراطية» لصالح تصور بديل يقوم على «دولة الشريعة اليهودية».
هذه الأيديولوجيات تُنتج عداءً صريحاً تجاه الفلسطينيين -مسلمين ومسيحيين- باعتبارهم «غرباء» في أرض يجب أن تكون، وفق هذا الخطاب، ملكاً حصرياً لليهود.
ووفق تقارير صادرة عن مراكز أبحاث في واشنطن ومعاهد دولية أخرى، يتبنى جزء من «شبيبة التلال» خطاباً يعلن بوضوح أن الهدف هو فرض السيادة اليهودية الكاملة على الضفة الغربية عبر عنف منظم يجري توظيفه لجعل حياة الفلسطينيين «مستحيلة»، وبالتالي دفعهم إلى الهجرة القسرية.
وقد وصل الأمر مؤخراً إلى أن أطلق بعض أعضاء الكنيست عليهم تسمية «وحوش التلال» بدلاً من «شبيبة التلال»، في إشارة تعكس حجم العنف الذي باتوا يمارسونه وتحولهم إلى قوة ميدانية منفلتة يصعب على الدولة نفسها احتواؤها.
نقطة التحول الأبرز في التعاطي الإسرائيلي العلني مع شبيبة التلال جاءت في صيف 2024، عندما تسربت رسالة من رئيس الشاباك رونين بار إلى رئيس الحكومة وعدة وزراء، حذر فيها من أن هؤلاء الشبان يقودون «حملة قتل وحرق وترهيب» ضد الفلسطينيين، وأن ما يقومون به يجب أن يُصنف «إرهاباً» لا مجرد جنح جنائية.
في تلك الرسالة، حذر «بار» أيضاً من أن الظاهرة خرجت عن السيطرة، حيث انتقل هؤلاء من التهرب من قوات الأمن إلى مهاجمة الجنود والشرطة أنفسهم.
الرسالة أثارت عاصفة سياسية؛ وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير هاجم رئيس الشاباك ودعا عملياً إلى إقالته، فيما دافع وزير الجيش عن الجهاز، في مشهد يعكس صراعاً داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها حول حدود استخدام العنف الاستيطاني.
على الصعيد الدولي، اتخذت الولايات المتحدة خطوات غير مسبوقة، وفي قرار لوزارة الخزانة عام 2024، وصفت «شبيبة التلال» بأنها «مجموعة عنف متطرفة» نفذت حملة من «القتل، والحرق، والاعتداءات، والترويع» ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، بهدف دفعهم إلى مغادرة مجتمعاتهم.
وأصدر جهاز مكافحة الجرائم المالية تحذيراً خاصاً حول التحويلات التي تذكر أسماء أفراد أو مجموعات مرتبطة بالعنف الاستيطاني.
كما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أفراد وبؤر استيطانية متطرفة في الضفة، في سياق إدانته الرسمية لـ«عنف المستوطنين» بوصفه «انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان».
وأفادت تقارير صحفية بأن بريطانيا وأستراليا اتخذتا خطوات مشابهة.
رغم أن هذه العقوبات لا توقف الهجمات على الأرض مباشرة، إلا أنها تعكس تحولاً في النظرة الدولية، حيث لم تعد «شبيبة التلال» تُقدَّم كـ«بعض الشباب المنفلتين» بل ككيان متطرف منظم يستحق الاستهداف القانوني والمالي في القرى الفلسطينية المحيطة بالبؤر الاستيطانية.
ويظهر أثر هذه الجماعات بوضوح، حيث يتم تفريغ القرى تدريجياً من سكانها بسبب الخوف المتواصل، والعائلات تضطر لترك بيوتها والانتقال إلى مناطق أكثر أماناً بعد سلسلة من الاعتداءات المتكررة.
والأكثر خطورة هو منع المزارعين الفلسطينيين عملياً من الوصول إلى أراضيهم، أو مهاجمتهم كلما حاولوا حراثة الأرض أو قطف ثمار الزيتون.
يرسم مسار «شبيبة التلال»، خلال العقدين الأخيرين، صورة مقلقة: تيار شبابي متطرف انطلق من الهوامش الأيديولوجية ليصل عملياً إلى قلب المشروع الاستيطاني، عنف منظم يتدرج من رشق حجارة إلى إحراق بيوت ومحاصيل ثم استخدام أسلحة حربية حتى وصل إلى القتل، وتداخل عميق بين جزء من هذا التيار وبين مؤسسات الدولة، سواء عبر وحدات عسكرية خاصة أو تغطية سياسية وتشريعية، وإدانة دولية متزايدة لا تزال عاجزة عن وقف نزيف الدم والتهجير في الضفة الغربية.
يبقى السؤال المفتوح أمام المجتمع الدولي، وأمام الرأي العام العالمي: هل ستظل شبيبة التلال «ذراعاً غير رسمية» لمشروع استيطاني يتوسع على حساب وجود الفلسطينيين في أرضهم؟ أم آن أوان المحاسبة الحقيقية، لوضع حد لعنف بات يهدد ليس فقط حياة الفلسطينيين، بل استقرار المنطقة كلها؟وإلى أن نجد إجابة لهذه الأسئلة، ستبقى التلال الفلسطينية مسرحاً مفتوحاً لمطاردة يومية بين فلاح يحمل منجله، وصهيوني مستوطن يحمل بندقيته، ومعركة بقاء غير متكافئة على أرض يصر الطرف المعتدي على اعتبارها بلا أصحاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك