ليبيا ليست دولة فقيرة، وهذه هي مأساتها الأولى.
الفقر يمكن تفسيره أحيانًا بندرة الموارد، أو قسوة الجغرافيا، أو بتاريخ طويل من الحروب والمجاعات.
أما أن يعيش شعبٌ مثقل بالثروة كل هذا العجز، فذلك يعني أن الأزمة أعمق من الاقتصاد، وأخطر من السياسة بمعناها التقليدي.
ما يحدث هنا ليس مجرد تعثر دولة، بل اختلال كامل في العلاقة بين السلطة والثروة والإنسان.
في ليبيا، تبدو الأشياء وكأنها فقدت معناها الطبيعي.
النفط لم يعد رمزًا للرخاء، بل صار مادةً للصراع.
السلطة لم تعد وسيلة لتنظيم الحياة، بل تحولت في وعي الناس إلى مساحة مغلقة لتوزيع النفوذ والمصالح.
أما الوطن نفسه، فقد أصبح عند كثيرين مكانًا مؤقتًا للنجاة، لا مشروعًا جماعيًا للمستقبل، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
الدول لا تنهار فقط حين تسقط مؤسساتها، بل حين يفقد المواطن ثقته الأخلاقية بفكرة الوطن.
حين يشعر الإنسان أن جهده بلا قيمة، وأن القانون يُطبَّق بانتقائية، وأن الثروة العامة تتحرك فوقه دون أن تمرّ به، يبدأ الانفصال الصامت بين المجتمع والدولة، وهذا النوع من الانهيار لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء حتى يصبح طبيعيًا ومألوفًا.
في ليبيا اليوم، لا يعيش الناس أزمة معيشية فقط، بل حالة إنهاك داخلي طويلة.
إنها الحياة تحت سلطة اللايقين.
كل شيء يبدو هشًا وقابلًا للانقطاع أو التأجيل أو الانهيار في أي لحظة: السياسة، الاقتصاد، المؤسسات، وحتى الأحلام الشخصية.
لهذا لم تعد المشكلة أن المواطن الليبي يريد حياة مترفة، ثم يفشل في الوصول إليها، بل إن سقف التوقعات نفسه انهار بصورة مؤلمة.
صار الإنسان يبحث عن الحد الأدنى من الطمأنينة كما لو أنها امتياز استثنائي، لا حقًا طبيعيًا.
هذا تحديدًا ما تفعله الفوضى الطويلة بالشعوب.
إنها لا تُفقر الجيوب فقط، بل تُعيد تشكيل الوعي نفسه.
فالإنسان الذي يعيش سنواتٍ داخل القلق يتعلم تدريجيًا كيف يخفض أحلامه كي ينجو نفسيًا.
ومع الوقت، تتحول النجاة إلى غاية كبرى بدل أن تكون مجرد خطوة نحو الحياة.
الأنظمة الفاسدة لا تكتفي بسرقة المال العام، بل تسرق قدرة الإنسان على تخيّل مستقبل مختلف.
تجعل المواطن مشغولًا بالبقاء إلى درجة يفقد معها طاقته على الحلم أو التفكير أو الاعتراض.
ومع الزمن، يصبح الاعتياد على الخلل أخطر من الخلل نفسه، لأن المجتمع يبدأ بالتكيّف مع التشوهات وكأنها جزء طبيعي من الحياة.
لهذا، فإن الأزمة الليبية ليست أزمة حكومات متنافسة فحسب، بل أزمة بنية سياسية كاملة تعلّمت كيف تعيش على غياب الدولة.
هناك طبقات كاملة نشأت داخل الفوضى، واستفادت منها، وأصبحت ترى في الاستقرار تهديدًا مباشرًا لمصالحها، فالدولة الحقيقية تعني الشفافية، وتعني المحاسبة، وتعني نهاية الامتيازات التي راكمتها سنوات الانقسام.
ومن هنا يبدو المشهد الليبي وكأنه مفارقة سوداء: بلدٌ يملك كل أسباب النهوض، لكنه يُدار بعقلية تستهلكه ببطء.
ثروة هائلة يقابلها شعور جماعي بالعجز، ومساحة واسعة تضيق فيها الحياة على أهلها أكثر كل عام.
الأخطر من ذلك أن الخراب حين يطول لا يبقى اقتصاديًا أو سياسيًا فقط، بل يتحول إلى مناخ نفسي عام.
يبدأ الناس بفقدان ثقتهم في أي تغيير، ويصبح الشك هو اللغة الوحيدة التي يتعاملون بها مع المستقبل.
وحين تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، فإن إعادة بناء المؤسسات تصبح أسهل من إعادة بناء الثقة نفسها.
وربما لهذا السبب تبدو ليبيا اليوم كبلدٍ معلّق بين زمنين: زمنٍ قديم لم ينتهِ بالكامل، وزمنٍ جديد لم يولد بعد.
وفي المسافة بين الاثنين، يعيش المواطن حالة استنزاف يومية لا تُرى دائمًا في نشرات الأخبار، لكنها تظهر في التعب الصامت داخل البيوت، وفي القلق المزمن الذي يسكن الأحاديث العادية، وفي ذلك الإحساس الثقيل بأن الحياة مؤجلة باستمرار.
مع ذلك، فإن أكثر ما يثير التأمل في ليبيا ليس حجم الخراب، بل قدرة المجتمع على الاستمرار على الرغم من هذا الاستنزاف الطويل.
لا تزال هناك حياة تقاوم تحت الركام الرمزي للدولة.
لا يزال الناس يربّون أبناءهم، ويتمسكون بما تبقى من المعنى، ويحاولون حماية إنسانيتهم من التآكل الكامل.
لهذا، فإن اختزال ليبيا في الفوضى فقط سيكون ظلمًا آخر لهذا البلد.
فالمشكلة ليست في المجتمع، بل في الشكل الذي أُديرت به الدولة طيلة سنوات.
فالدول لا تنهار لأن شعوبها سيئة، بل لأن السلطة حين تنفصل عن العدالة تتحول بالتدريج إلى ماكينة لإنتاج الخراب.
ليبيا لا تحتاج شعارات وطنية جديدة، فقد استُهلكت اللغة حتى فقدت تأثيرها.
ما تحتاجه هو إعادة بناء العلاقة الأخلاقية بين الإنسان والدولة.
أن يشعر المواطن بأن الوطن ليس شركة مغلقة، ولا غنيمة سياسية، ولا ساحة مفتوحة للتجاذبات، بل مساحة مشتركة للحياة والكرامة والمعنى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك