سورية اليوم في وضع لا تُحسد عليه، فعلى الرغم من الإنجاز الكبير الذي تحقّق بإسقاط نظام الاستبداد، لا يزال طموح السوريين، في ما يتعلّق بالبناء والتغيير الإيجابي لحياتهم، متواضعاً جدّاً، أو لعلّه لا يكاد يذكر.
وقد تجد الحكومة في قصر الزمن الذي مضى مبرّراً كافياً، ولعلّها تجد نفسها قد فعلت كثيراً، إلا أنّ التركة الثقيلة تطمس كلّ تأثير لفعلها.
وما قامت به قلَّة محسوبة على الحكومة من تصرّفات خاطئة مسَّت روح الوحدة الوطنية، فتركت تأثيراتها السلبية في أحد طرفي العقد الاجتماعي المفترض، ولم يصحّح، ولو باعتذار.
كما لم يُدفع باتجاه تشاركية فعلية ترتجى على مستويات العمل الإصلاحي.
إذ لا أحد بمفرده، مهما أوتي من مواهب وإمكانات، قادر على النهوض بالبلاد التي خرجت للتوِّ من حرب داخلية لم تطاول الحجر والشجر فحسب، بل لامست أرواح مئات ألوف البشر.
وعلى ذلك، فهي بحاجة إلى خطوات حثيثة وجهود جماعية للبدء بمسيرة إصلاحية لا تعيد الحياة إلى ما كانت عليه، بل إلى ما هدفت إليه الثورة السورية من انفتاح فعلي على الحياة والناس.
ليس من إعادة إعمار راسخ وآمن من دون استقرار سياسي أساسه الانفتاح على الشعبويمكن القول إنّ الحكومة السورية اليوم محرجة أمام الشعب، وأمام الوقت الذي يمرُّ سريعاً، والسوريون لم يعودوا لتخدّرهم الشعارات، بل يريدون البدء بعمل جادٍّ ومرئي يطاول عيشهم المتدهور.
وقد تظنّ الدولة أنّها تتجه فعلاً نحو توفير حياة أكثر نموّاً وعدلاً، لكن أبجدية ذلك الفعل وجود تشاركية حقيقية تكون أساساً لتنمية مؤملة، تؤمِّن للمواطنين أمنهم، وتحفظ كرامتهم.
ولعلَّ أوليات المواطن السوري، وشروط تحقّقها يمكن تلخيصها في: أولاً، بناء دولة قانون لا دولة فرد، أو حزب، أو أيّ جماعة، مهما أوتيت من كفاءة وقدرات.
فأوّل ما يحتاجه السوريون بعد ذلك الحكم المطلق تحقّق أملهم بأن تغدو الدولة للشعب بحقّ.
فالقوانين التي تعلو فوق الجميع تُحترم، وتطبيقها وحده قادرٌ على منع تغوّل لا الأجهزة الأمنية فحسب، بل كلّ مَن يتجاوز على حقوق المواطن.
إنّ الدولة الحديثة لا تقوم على أفراد، ولا تبعدها الولاءات عن مهامِّها، بل إنّ عمادها مؤسّسات تتكامل في ما بينها، وترتقي بالشعب والبلاد إذا ما استندت إلى قوانين واضحة، ومن خلال دستور يقرُّه الشعب، وتديرها مؤسّسات، كلٌّ وفق تخصصها، ويحميها قضاء عادل ومستقلّ.
وثانياً، وإذا كانت التشاركية حال بديهية للتنمية في أيِّ مجتمع كان، فهي في سورية مشروطة بمراعاتها تنوّع سكّان البلاد الذي تشكّل عبر قرون.
ولعلَّ العراقة التي تتمتّع بها سورية هي التي أوجدت ألواناً من التنوّع الديني والمذهبي والقومي.
واللافت أنّ ذلك التنوّع فرض نفسه في مناطق تهدّد، إذا لم تُراعَ بجدّية، وحدة البلاد السورية التي لم تنمُ فيها بعدُ قوانين دقيقة الوضوح، ولعلّ الخشية كلّها تأتي من لدن أيّ حكم أحادي قد يعيد إنتاج الأزمة.
ومن هنا، لا بدّ من إشراك مختلف مكوِّنات الشعب في صناعة القرار، لا بوصف ذلك تجميلاً سياسياً، بل ضرورة وطنية.
أمّا الإقصاء فسيولّد الاحتقان، وبالتالي يفتح باب الفرقة والاختلاف.
وعلى العكس، يمكن للمشاركة الجدّية تعميق الشعور بالانتماء الوطني الذي ينعكس خيراً على الشعب والوطن.
ثالثاً، أهم ما يعانيه السوريون اليوم قسوة الأحوال المعيشية، ومعلوم أنّ الجائع لا تشبعه الخطابات السياسية.
فالوضع المعيشي قد تردّى للغاية، والليرة السورية في تقهقر، ترافقها بطالة وفقر، وتفكّك في الطبقة الوسطى التي غالباً ما توفِّر الاستقرار للبلاد.
لذلك، فإنّ تحسين كلَّ ما يمسّ حياة المواطن اليومية، ومراقبة ضبط الأسعار، وتحريك مجال العمل بتنفيذ مشاريع إنتاجية تهمُّ المواطن السوري الذي بات يعتمد على سلع مستوردة كثيرة كانت تنتج محليّاً، لا تسدّ الحاجة الداخلية فحسب، بل يصدر منها، ولعلَّ ذلك يتحقّق من خلال تجديد دوران عجلة الإنتاج المحلّي وخاصّة الزراعة، والصناعة، كما أنّ تنشيط الحِرف المختلفة، يغطّي كثيراً من حاجة المواطنين.
ولا بدّ (رابعاً) من الالتفات إلى الفساد الذي استوطن مناحي حياة المواطن السوري، ومعالجته جدّياً.
فكثيراً ما سمع السوريون عن مكافحته دونما جدوى، ولن يصدّق الناس أيّ خطاب جديد ما لم يروا محاسبات فعلية لكلّ مَن يتجاوز القوانين والقرارات التي تمسّ حياة الناس مباشرة، سواء تعلّق الأمر بالمال العام، أو بالاحتكار أو بمراعاة المحسوبيات.
لن يشرق مستقبل سورية بانتصار مكوِّن سوري على آخر، ولا بانفراد أيِّ مكوّن بالسلطة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك