التنافسية حصيلة تفاعل معقّد بين الاقتصاد الكلي ومؤسّسات الدولة والبنية التحتية والمهارات والتمويل والتكنولوجيا والجودة.
ولهذا لا تمكن قراءة وضع الصناعة السورية من زاوية الإنتاج وحده، كما لا يمكن اختزاله في أثر الحرب وحدها، لأن الصناعة لا تنافس بآلاتها فقط، بل بالنظام الذي يحيط بها.
لا تمكن مقاربة تنافسية الصناعة السورية اليوم بوصفها مسألة إنتاج أو تصدير فحسب، بل بوصفها نتاج منظومة متكاملة تتقاطع فيها كفاءة الاقتصاد الكلي وفعالية المؤسسات وجودة البنية التحتية وقدرة سوق العمل وتوفر التمويل والجاهزية التكنولوجية والبنية الوطنية للجودة.
هذا الفهم هو ما تقوم عليه منهجيات القياس الدولية الحديثة، كما في تقرير التنافسية العالمي للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي يقيس القدرة التنافسية عبر اثني عشر محوراً تشمل المؤسسات والبنية التحتية والاستقرار الاقتصادي والمهارات والأسواق والابتكار، وفي تصنيف IMD الذي يربط التنافسية بالأداء الاقتصادي وكفاءة الحكومة وقطاع الأعمال والبنية التحتية.
وضمن هذا الإطار، لا تبدو التجربة السورية منفصلة عن السياق الدولي بقدر ما تبدو متأخرة عنه.
لقد أظهرت تقارير التنافسية العالمية قبل أكثر من عقد اتجاهاً تراجعياً واضحاً في موقع سورية، إذ جاءت في المرتبة الـ78 عالمياً في تقرير 2008– 2009 من أصل 134 دولة، قبل أن تتراجع إلى المرتبة الـ94 في التقرير التالي، ثم إلى المرتبة الـ97 من أصل 139 دولة في تقرير 2010– 2011، ما يعني خسارة 19 مرتبة في ثلاث سنوات فقط، وهو تراجع سبق الحرب الشاملة وكشف عن اختلالات بنيوية في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والإدارة العامة والتعليم وسوق العمل.
غير أن الصورة اليوم أكثر تعقيداً، لأن المشكلة لم تعد في ترتيب متأخر فحسب، بل في غياب سورية عن فضاء القياس التنافسي الحديث نفسه؛ فآخر تقرير رسمي للتنافسية العالمية صدر عام 2019 وشمل 141 اقتصاداً من دون إدراج سورية، كما أن تصنيف IMD لعام 2025 الذي يغطي 69 اقتصاداً لا يتضمنها، فيما يعود أحدث تقرير عربي للتنافسية الاقتصادية إلى عام 2023.
وفي الوقت نفسه، تعكس المؤشرات الاقتصادية الأحدث فجوة تنافسية عميقة في المخرجات والقدرات، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري انكمش بنسبة 1.
5% في عام 2024، وأن نصيب الفرد من الدخل القومي هبط إلى نحو 830 دولاراً، بينما فقد الاقتصاد أكثر من نصف حجمه منذ 2010.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تكتسب المرجعية السورية القديمة أهميتها بوصفها مرجعيةً في منهجية القياس لا في الأرقام الجارية.
فالتقرير الوطني الأول لتنافسية الاقتصاد السوري لعام 2007 كان مهماً لأنه قدّم مبكراً فهماً للتنافسية بوصفها مؤشراً مركباً يضم المؤسسات والبنية التحتية والاستقرار الاقتصادي والتعليم والأسواق والابتكار، ولم يتعامل معها على أنها مسألة إنتاج أو تجارة فقط.
غير أن القيمة العملية اليوم لا تكمن في استعادة ذلك التقرير بوصفه مادة تاريخية، بل في استعادة منطقه: أي قياس التنافسية بوصفها محصلة لعناصر مترابطة، ثم النظر إلى ما جرى لاحقاً لترتيب سورية، وأين تقف اليوم، وما الذي يجعل المنتج السوري قادراً أو عاجزاً عن المنافسة.
إذا كانت التنافسية تُقاس أيضاً بقدرة الاقتصاد على بيع ما ينتجه خارج حدوده، فإن التجارة الخارجية تكشف جانباً أساسياً من المشكلةالأرضية التي تقف عليها الصناعةأي صناعة، مهما كانت مرنة أو مجتهدة، لا تستطيع أن تكون تنافسية في بيئة يهيمن عليها عدم اليقين.
فالاقتصاد الكلي ليس خلفية محايدة للنشاط الصناعي، بل هو جزء من كلفة الإنتاج ومن قابلية التخطيط ومن قدرة المنشأة على الحصول على المواد الأولية والتمويل والتسعير.
وفي هذا المجال، تعطي الأرقام الحديثة صورة دقيقة عن حجم التحدي.
فالبنك الدولي قدّر أن الاقتصاد السوري انكمش بنسبة 1.
5% في عام 2024، مع توقع نمو متواضع بنحو 1% في 2025 في تقييمه الصادر في يوليو/تموز 2025، كما أشار إلى أن الناتج القومي الإجمالي للفرد هبط إلى 830 دولاراً في 2024، وأن الاقتصاد السوري فقد أكثر من نصف حجمه منذ 2010.
كما بيّن البنك أن الفقر المدقع يمس واحداً من كل أربعة سوريين تقريباً، وأن ثلثي السكان يعيشون تحت خط فقر الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل.
هذه الأرقام لا تصف الضيق الاجتماعي فقط، بل تصف أيضاً بيئة إنتاجية تعمل تحت ضغط شديد في الطلب والدخل والسيولة والقدرة الشرائية.
ولكن هذه الصورة القاتمة لا تُغلق الباب تماماً.
فالصفحة القطرية الأحدث للبنك الدولي تتحدّث، في المقابل، عن مؤشرات عالية التواتر تشير إلى تعافٍ اقتصادي أولي، مع تقدير نمو حقيقي في عام 2025 ضمن نطاق 2% إلى 4%، وتحسن في الاتصال الخارجي وحركة الطيران والموانئ.
وهذا لا يعني أن سورية خرجت من أزمتها، لكنه يعني أن الاقتصاد يقف عند نقطة حساسة بين تركة انكماشية ثقيلة وبين بدايات تعافٍ هشة.
وبالنسبة للصناعة، فإن هذا الوضع يعني أن الاستعادة التنافسية لن تكون ممكنة إلا إذا تحوّل التعافي الأولي إلى استقرار اقتصادي أوسع يخفف كلفة التشغيل ويعيد قدراً من اليقين إلى بيئة الأعمال.
ما تقوله الأرقام عن القدرة على الاندماجإذا كانت التنافسية تُقاس أيضاً بقدرة الاقتصاد على بيع ما ينتجه خارج حدوده، فإن التجارة الخارجية تكشف جانباً أساسياً من المشكلة.
فبيانات UNCTADstat تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لسورية بلغ 25.
041 مليار دولار في 2024، وأن الصادرات السلعية بلغت 3.
336 مليارات دولار مقابل واردات بقيمة 6.
283 مليارات دولار، أي بعجز تجاري قدره 2.
947 مليار دولار، رغم أن الصادرات سجلت نمواً بنسبة 10% في ذلك العام.
وما تقوله هذه الأرقام ببساطة هو أن الاقتصاد السوري لا يزال يعمل بقاعدة تصديرية محدودة قياساً بحاجاته، وأن الصناعة السورية ليست فقط بحاجة إلى استعادة الإنتاج، بل إلى استعادة القابلية للتصدير.
فالصناعة التي لا تستطيع أن تنفذ إلى الأسواق الأوسع ستظل محكومة بسوق محلية ضعيفة، ومقيّدة بقدرتها الشرائية وبضيقها الهيكلي.
وفي جانب الاستثمار، لا تبدو الصورة أحادية الاتجاه أيضاً.
فوفق تقرير الاستثمار العالمي 2025 الصادر عن" الأونكتاد"، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى سورية 1.
843 مليار دولار في 2024، بزيادة 72.
7% عن العام السابق.
وهذا الرقم لا يعني أن البيئة السورية أصبحت جاذبة تلقائياً، لكنه يعني أن ثمة قابلية كامنة يمكن أن تتحرّك بسرعة متى تحسّن الحد الأدنى من البيئة التنظيمية والبنية الأساسية وإشارات الاستقرار.
والمهم هنا أن الاستثمار لا يتحوّل إلى أثر تنافسي تلقائياً؛ فهو يحتاج مؤسّسات ومواصفات وبنية تحتية ونظاماً مالياً وقدرة على الامتصاص الصناعي، وإلا بقي رقماً معزولاً لا يعيد بناء قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة.
البيانات نفسها جزء من التنافسيةمن أكثر ما يُهمل في النقاش الاقتصادي السوري أن البيانات نفسها جزء من القدرة التنافسية، فالدولة التي لا تنتج بيانات منتظمة وموثوقة تواجه صعوبة في معرفة أين تتراجع وأين تتقدم، وفي بناء سياسات قائمة على الأدلة لا على التقديرات العامة.
والبنك الدولي يذكر صراحة أن البيانات الاقتصادية عن سورية شحيحة للغاية وصعبة التوفر، كما تشير قاعدة بياناته إلى أن مؤشر الأداء الإحصائي العام لسورية بلغ 32.
4 من 100 في 2024.
وهذا مؤشر لا ينبغي المرور عليه سريعاً، لأنه يكشف أن الفجوة السورية ليست فقط في التمويل أو البنية التحتية أو المهارات، بل أيضاً في القدرة المؤسسية على إنتاج المعرفة الاقتصادية اللازمة لإدارة هذه الملفات.
فحين تضعف البيانات، تضعف معها القدرة على التخطيط وعلى التقييم وعلى مساءلة السياسات، وتتحول التنافسية إلى خطاب عام أكثر منها أداة إدارة.
ليست المشكلة في سورية أن اليد العاملة غير موجودة، بل في أن البيئة الاقتصادية لا تسمح دائماً بتحويلها إلى طاقة إنتاجية عالية الكفاءة.
فالتنافسية الحديثة لم تعد تُبنى على العمالة الرخيصة فقط، بل على العمالة الماهرة القادرة على العمل وفق إجراءات الجودة، وعلى استخدام التكنولوجيا، وعلى تقليل الفاقد، ورفع الإنتاجية، والالتزام بالمعيار.
وتشير قاعدة بيانات البنك الدولي إلى أن معدل البطالة بلغ 13.
6% في 2025، فيما تفيد منظمة العمل الدولية بأن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل 92% من الأعمال في سورية، وأن أكثر من 83% من العمالة تعمل في ظروف غير محمية أو غير منظمة، وأن مشاركة النساء في قوة العمل لا تزال دون 15%.
وهذه المؤشرات مجتمعة تكشف أن التحدّي ليس في العدد فقط، بل في جودة الاندماج الاقتصادي نفسه: كيف تنتقل العمالة من الهشاشة إلى الإنتاجية، ومن اللانظامية إلى المؤسسة، ومن النشاط المحدود إلى القدرة على التوسع؟وبالنسبة للصناعة تحديداً، فإن هذا يعني أن استعادة التنافسية تمر حكماً عبر التعليم المهني والتقني والتدريب المستمر، وعبر ربطه مباشرة باحتياجات القطاعات الصناعية.
فالمصنع الذي لا يجد فنيّاً قادراً على تشغيل الخط، أو مشرف جودة يفهم متطلبات المطابقة، أو عاملاً مدرباً على إجراءات السلامة، سيبقى أسير إنتاج محدود الجودة وعالي الفاقد.
ومن هنا، فإن رأس المال البشري ليس ملفاً اجتماعياً منفصلاً عن الصناعة، بل هو جزء مباشر من قدرة الصناعة على المنافسة.
إذا كان هناك باب واحد يمكن أن تدخل منه الصناعة السورية مجدداً إلى الأسواق بثقة، فهو باب الجودة.
فالتنافسية اليوم لا تُبنى بالسعر وحدهالبنية التحتية: حيث تتحوّل الكلفة إلى فجوة تنافسيةحين تُضعف الكهرباء أو النقل أو الاتصالات عمل المصنع، فإن ما يتضرر ليس الإنتاج فقط، بل القدرة على الوفاء بالمواصفة وبزمن التسليم وبكلفة مقبولة.
ولهذا، فإن البنية التحتية ليست مجرد خدمة عامة، بل عنصر من عناصر التنافسية الصناعية نفسها.
وتقديرات البنك الدولي تبيّن حجم هذا التحدي بوضوح، إذ قدّر الأضرار المادية المباشرة للأصول والبنى في سورية بـ108 مليارات دولار خلال الفترة 2011–2024، وقدّر احتياجات إعادة الإعمار بـ216 مليار دولار.
كما أوضح أن البنية التحتية كانت الفئة الأكثر تضرراً.
هذه الأرقام تعني أن الصناعة السورية لا تعاني فقط من ضعف الطلب أو التمويل، بل من اهتزاز الأساس المادي الذي يفترض أن يحملها.
ومن ثم، فإن التنافسية هنا لا تُستعاد بقرار صناعي فقط، بل بمشروع أوسع لإعادة بناء الطاقة والنقل واللوجستيات والخدمات المساندة للإنتاج.
إذا كان هناك باب واحد يمكن أن تدخل منه الصناعة السورية مجدداً إلى الأسواق بثقة، فهو باب الجودة.
فالتنافسية اليوم لا تُبنى بالسعر وحده، بل بقدرة المنتج على أن يكون مطابقاً وآمناً ومستقراً في الجودة وقابلاً للثقة.
ومن هنا تأتي الأهمية الاقتصادية، لا الفنية فقط، لما جرى في ملف المواصفات والمقاييس خلال 2025 و2026.
ففي 18 شباط/فبراير 2025، أعلنت هيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية أنها اعتمدت 66 مواصفة قياسية سورية جديدة خلال العام السابق، وأن إجمالي ما صدر منذ تأسيسها بلغ 4505 مواصفات قياسية سورية، مع تأكيد واضح أن الهدف هو رفع جودة المنتجات وتعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية والعربية والدولية.
ثم في 13 يونيو/ حزيران 2025، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة اعتماد 14 مواصفة قياسية وطنية إضافية في قطاعات غذائية ونسيجية، مع ربط مباشر بين المواصفة ورفع مستوى الإنتاج الوطني وقدرته التنافسية.
هذه ليست أخباراً فنية معزولة؛ إنها إشارات إلى أن الجودة بدأت تُفهم بوصفها مدخلاً اقتصادياً للتنافسية.
ثم جاء التطور الأهم في 2026، حين لم يعد الحديث يدور فقط حول تحديث المواصفات، بل حول بناء منظومة جودة كاملة.
ففي شباط/2026، أعلنت الهيئة التزامها بمواءمة المواصفات الوطنية مع معايير ISO وتقديمها دعماً فنياً للشركات وتحليلات فجوة لتيسير تبنّي أنظمة الجودة، ثم أطلقت فيما بعد مسار التخطيط الاستراتيجي لتطوير منظومة التقييس والقياس وتقييم المطابقة، مع تحليل للفجوات البنيوية والتنظيمية وربط أوضح بين عمل الهيئة واحتياجات السوقين المحلية والدولية.
وبعد ذلك، في آذار/ 2026، دخلت يونيدو على الخط عبر بحث رسمي مع الهيئة لتعزيز البنية التحتية للجودة وتسهيل النفاذ إلى الأسواق، مع الاتفاق على إعداد خريطة طريق تنفيذية لدعم هذا المسار.
ويضاف إلى ذلك أن سورية أعلنت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 انضمامها إلى منظمة المقاييس والمواصفات للدول الإسلامية (SMIIC)، مع تأكيد رسمي أن هذه الخطوة ستسهم في توحيد المواصفات وتسهيل التجارة وتعزيز تنافسية المنتج السوري.
كل ذلك يعني أن ملف الجودة انتقل من مستوى تحديث بعض المواصفات إلى مستوى أوسع هو إعادة بناء البنية الوطنية للجودة رافعةً للتنافسية الصناعية.
ليست تنافسية الصناعة السورية مسألة خطابة، ولا بنداً ثانوياً في خطط التعافي، بل هي المسألة التي تختبر قدرة الاقتصاد السوري على الانتقال من منطق البقاء إلى منطق القدرة على المنافسةمن" صُنع في سورية" إلى" موثوق في سورية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك