تنتمي الأكاديمية والمترجمة السورية غادة الأطرش إلى موقع مركّب، يجمع إلى اختصاصاتها المتعددة في الترجمة والكتابة والبحث الأكاديميّ انتماءَ الداخل-الخارج.
وإن كانت تجربتها قد نمت وتطوّرت خارج سورية، إلا أنَّ التجربة السورية مثّلت جوهر انشغالها، خصوصاً تعليم تجرية أدب السجون في جامعات عدة في أميركا وكندا، وآخرها جامعة جورج تاون في قطر.
كما شاركت الأطرش الروائي فادي عزّام في تحرير العدد الخاص من مجلة" أراب ليت كوارترلي"، الذي حمل عنوان" سقوط الأبد"، وبمناسبة إصداره، التقاها ملحق سورية الجديدة في الحوار التالي:تعبت من أن تُشرح سورية على أيدي أناس لا يعرفون أسماء قرانا، ولا التاريخ المحمول في أسمائنا العائلية التي تخبر بالضبط إلى أي زاوية من البلاد ننتمي* تتقاطع في رحلتك المهنية حقول متعددة: الأكاديميا، والترجمة، والكتابة الإبداعية.
هل ترين هذا التعدد مشروعاً واحداً تشكّل عبر مسارات منفصلة، تلتقي عند التجربة السورية؟جميع الانشغالات التي ذكرتها تعود، بطرق مختلفة وبالإصرار نفسه، إلى القضية نفسها، وهي الحاجة إلى أن نروي سورية على نحو مختلف عمّا تُروى به في الغرب.
فعلى مدى ما يقارب 40 عاماً، عشتُ سورية في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة وكندا، حيث كُتبَتْ سورية، والعرب، والنساء العربيات، في أحيانٍ كثيرة بقلم" آخر"، وهو القلم الاستعماري، والأرشيف الاستشراقي، وعدسة الإعلام الأميركي.
وهي كتابة تنطوي، بما تحمله من تمثيلات ثقافية، على تسطيحنا وتبسيطنا، وفي أحيان كثيرة تنزع إنسانيتنا بطرق تخدم أجندات سياسية، إذ حوّلت شعوباً معقّدة إلى رموز، وتواريخاً كاملة إلى سرديات مريحة.
بالنسبة إليّ، وانسجاماً مع الشعار النسوي: " إنّ الشخصيّ سياسيّ"، وهذه التمثيلات المسبقة، تمسّ هويتي امرأة عربية سورية، وتمس أيضاً حياة أطفالي، ما يجعل العمل أكثر إلحاحاً، فأنا لا أكتب ردّاً عن نفسي فحسب، بل أكتب باتجاه العالم الذي سيرثونه، والقصص التي إما أن تحاصرهم أو تحرّرهم، وتساعدهم على إدراكِ هويتهم.
لذلك، المشروع الذي يتشكّل عبر هذا التعدّد هو أن أكتب حكايتي السورية بقلمي أنا، لا بالقلم الاستشراقي والاستعماري، وأن أترجم الأصوات السورية عبر أعمال أدبية كتبها السوريون أنفسهم أولاً، وأن أبقى واعية نقدياً لتحذير غاياتري سبيفاك من إمكان أن تصبح الترجمة من أشكال العنف المعرفي، إذا دجَّنت النص الأصلي.
أما في العمل الأكاديمي، وفي الصفوف التي درّستُ فيها، حاولت أن أزرع بذور الثقافة العربية عبر الأدب والفن السوريَّين، وأن أزعزع التمثيلات التي تختزلنا إلى موضوعات للشفقة أو الخوف أو الافتتان الغرائبي، إذ أدرّس نصوص كتّاب سوريين بوصفها أعمال مفكّرين، وفنانين، وشهود، ومنظّرين، وأمهات، وبنات، وسجناء، ومنفيين، وعشّاق، وصانعي معرفة.
وإذا كان هناك خيط واحد يجمع كل هذه الاشتغالات، فهو هذا: لقد تعبت من أن تُشرح سورية على أيدي أناس لا يعرفون أسماء قرانا، ولا التاريخ المحمول في أسمائنا العائلية التي تخبر بالضبط إلى أي زاوية من البلاد ننتمي، ولا تعقيد لهجاتنا، ولا طبقات الحنان المنسوجة في لغتنا، فكيف يمكن للمرء أن يترجم كلمة" الأم"، التي تتغيّر موسيقاها بحسب المنطقة التي تُنطَق بها في سورية؟ فمن جذر" أم"، نشتّق: أُمّي، إِمّي، يُمّا، يَمّا، يَمّي، يَامَا.
أو كيف نترجم: يا مية حيالله، ويا تقبرني، ويا بعد قلبي، وتكرم عينك من عيوني، والله يجبر بخاطرك.
لذلك، انشغالاتي البحثية والإبداعية ليست هويات منفصلة بالنسبة إليّ.
وأراها أبواباً مختلفة للبيت نفسه، وهو سورية.
مكانٌ أعقد من السرديات المفروضة عليه، وأكثر حياة من الخرائب المستخدمة لتمثيله، وأحبّ بكثير مما يمكن لأي ترجمة أن تحمله بالكامل.
* تنظرين إلى الترجمة بوصفها نشاطاً معرفياً يقاوم المعرفة الغربية المهيمنة عبر إنتاج معرفة عربية، كيف كانت ضمن تجربتك مترجمةً للأدب السوري؟أفهم الترجمة فعلاً معرفياً، طريقةً للتدخل في كيفية معرفة سورية، وقراءتها، وتمثيلها، وتذكّرها.
وتصبح الترجمة، بالنسبة إليّ، شكلاً من أشكال العصيان المعرفي، والمقاومة.
فعلى مدى عقود، وصلت سورية إلى العالم غالباً عبر لغة التقارير الحربية، والأزمة الإنسانية، والدراسات الأمنية، وخطاب اللجوء، والخيال الاستشراقي، وهذه الأطر ليست بريئة.
وكما يعلّمنا إدوارد سعيد، فإن التمثيل ليس بريئاً أبداً، بل هو مرتبط بالسلطة.
السؤال هو: من يُمنح سلطة التسمية، والوصف، والترجمة، والشرح، وتعريف الآخر؟ ومن يجعلنا نظهر فقط عبر مفردات الضحية، أو المتعصّب، أو اللاجئ، أو بتصويرها تهديداً، أو مأساة؟والترجمة في أفضل حالاتها لا تبتلع النص السوري داخل الإنكليزية، بل تسمح له بأن يصل بنسيجه، وكرامته، وتعقيده، وكثافته، وإيقاعه، ومقاومته كما هو.
وهكذا تصبح الترجمة فضاءً بين اللغات، ولكن أيضاً بين التواريخ، والجراح، والذكريات، والعوالم.
تصبح فضاءً ثالثاً، كما يقترح هومي بابا، لا مجرد عربية من جهة وإنكليزية من جهة أخرى، إنما مكانَ لقاءٍ يُتفاوَض فيه على المعنى.
ويمكن للترجمة أن تساعد في حمل سورية إلى لغات أخرى، لا سورية بوصفها فقط ملفَّ معاناة، ولا عنوانَ خبر، ولا موضوعاً إنسانياً فقط.
لكن بوصفها فكراً، وفناً، وصوتاً، وشهادةً، وخلقاً.
* تعتمدين في دراساتك مقاربة تمزج بين التجربة الشخصية، كونك سورية في المنفى، والبحث الأكاديمي.
كيف تستخدمين التجربة الشخصية في الكتابة الأكاديمية؟ وماذا تضيف؟استخدامي التجربة الشخصية في الكتابة الأكاديمية ليس محاولة لاستبدال البحث بالسيرة الذاتية، إنما محاولة لمساءلة وزعزعة الحدود التي اعترفت بها الأكاديميا تاريخياً بوصفها معرفة.
وأستند هنا إلى نظرية العِرق النقدية، وإبستمولوجيا النسوية السوداء، خصوصاً لدى باحثين مثل ديريك بيل، وريتشارد ديلغادو، وكيمبرلي كرينشو، وباتريشيا ويليامز، وغيرهم ممن يتحدّون فكرة أن المعرفة يجب أن تكون منفصلة، ومنزوعة الجسد، أو" موضوعية" كما يُزعم، لكي تكون صارمة.
لقد علّمتنا أعمالهم أن التجربة المعيشة، والشهادة، والحكاية المضادّة، والمعرفة المتموضعة، يمكن أن تكشف ما تخفيه غالباً الأرشيفات المهيمنة، والمؤسسات، والتواريخ الرسمية، فالمعرفة تشمل أيضاً ذلك الإرث المحمول في المطابخ، والباحات، والأمثال، والتعابير، والصمت، والأغاني، والوصفات، وطقوس الحداد، وإيماءات النجاة، والقصص التي تُروى قبل النوم أو بعد الكارثة.
وهذه ليست خارج المعرفة، إنما هي أرشيفات بحدّ ذاتها، وهي الطرق التي حمل بها أهلنا التاريخ حين خانهم التاريخ الرسمي، والطرق التي حفظت بها النساء الذاكرة، خصوصاً حين حُرمن من سلطة كتابتها.
التجربة الشخصية تمنح البحث الأكاديمي ضرورة أخلاقية.
إنها تمنح البحث نبضاً، وجسداً، وجرحاً، وذاكرة.
وما تضيفه التجربة الشخصية هو أنها تسمح لقصة أبي، وقصتي، وقصتك، وقصص الكتّاب السوريين، بألّا تقف خارج المعرفة، بل داخلها.
بهذا المعنى، تصبح التجربة الشخصية موقعاً أخلاقياً.
إنها تقول للقارئ: أنا أكتب من المكان الذي تلتقي فيه المعرفة بالذاكرة، حيث تُختبر النظرية أمام التجربة المعيشة، وحيث تصرّ الحكاية السورية على أن تُروى، لا بوصفها بيانات، أو عنوان خبر، أو أرشيفاً، أو تاريخاً فقط، إنما معرفة حيّة تتنفّس، ويحملها الذين نجوا منها.
لم تكن سورية متخيَّلة.
لم تكن سياسية، أو أكاديمية، أو مترجمة، أو مدروسة فقط.
كانت صوتاً ونسباً.
كانت قصيدة جدّي تعود إليّ في غرفة في السويداء* على الرغم من أن علاقتك بسورية تشكّلت، إلى حد ما، من خارجها، عبر دراسة الأدب السوري وترجمته، إلى أي حد يمكن أن نقول إنك عرفتِ" سورية متخيلة"؟أصف علاقتي بسورية من خلال ما يسمّيه الباحثون في المنهج النوعي" موقعية الداخل/ الخارج" " insider/outsider positionality" بالتالي، لا أعتبر نفسي خارج سورية، لأن سورية لغة عائلتي، وتاريخي، ووعيي السياسي، وحنيني، وهي ما تشغلني في مختلف اشتغالاتي.
لكنني أيضاً لست داخلها بالكامل، ولا أستطيع أخلاقياً أن أدّعي أنني أعرف الثقل الكامل لألم السوريين، وتهجيرهم، وفقرهم، وسجنهم، وجوعهم، وخوفهم، ونجاتهم اليومية.
بطريقة ما، عرفت سورية متخيَّلة.
وبطبيعة الحال، كونها" متخيَّلة" لا يعني أنها زائفة، بل أقصد أنها متخيَّلة بمعنى أنها موروثة، ومدروسة، ومحبوبة، ومرثيّة من مسافة.
وقد كانت" سورياي" مكوّنة من الأدب، والشهادة، والأغاني الثورية، وذاكرة العائلة، والنصوص المترجمة، ووجوه الناس الذين أعادت شجاعتهم ترتيب فهمي للكرامة.
وعلى مدى 14 عاماً من الثورة، حملتُ تلك سورية كالتاج على رأسي.
تأثرت بالثوار، وتواضعت أمام شجاعتهم، وافتخرت بأن أسمّيهم شعبي.
وهكذا، درّستُ صفوفي في جامعات الغرب؛ غياث مطر، وفدوى سليمان، ورزان زيتونة، وعبد الباسط الساروت، وكثيرين من الشخصيات السورية الملهمة، ومن خلال هؤلاء السوريين وقصصهم أصبحت سورية قضية، لا بلداً فقط.
لكن سورية المتخيَّلة هذه كانت تحمل أيضاً خطر الرومانسية.
فمن المنفى، قد يحبّ المرء وطناً بكثافة شديدة إلى حدّ يصبح معه الوطن شبه أسطوري.
وكان عليّ أن أكون نقدية جداً تجاه هذا الميل في نفسي، وأن أصغي بعناية إلى من هم على الأرض، أولئك الذين يذكّرونني بأن سورية ليست ببساطة ما أراه، أو أتذكره، أو أحنّ إليه من بعيد.
*أين التقت هذه الصورة بالواقع السوري، وأين افترقت عنه؟التقت هذه الصورة بسورية الواقعية في كرامة الناس، وكرمهم، ولطفهم، وصمودهم، وفي جمال اللغة، والإصرار على الحياة حتى بعد أن دُمّر الكثير.
لكنها افترقت عن الواقع، لأن الخيال لا يستطيع أن يحمل الوحشية الكاملة لما عاشه السوريون خلال عقود طويلة.
فلا يمكن لأي قدر من القراءة، أو الترجمة، أو الدراسة، أن يجعل المرء يعرف بالكامل تجربة الجسد في الحرب، أو الحصار، أو السجن، أو النزوح، أو المجزرة، أو الخوف.
لذلك، نعم، أعترف بأنني أحمل معرفتي بسورية بتواضع.
ومع ذلك، سأشارك قصة قصيرة شعرت فيها، للحظة وجيزة، بأنني سورية أكثر مما شعرت في أي وقت مضى، كأن ذلك الداخل الذي اشتقت إليه طوال هذه السنوات تقدّم فجأة إلى الأمام.
عدتُ إلى سورية في ‘بريل/ نيسان بعد سقوط النظام، تحديداً بعد المجزرة الأولى في الساحل، وقبل المجزرة الثانية في السويداء، مسقط رأسي.
وخلال تلك الزيارة، اجتمعنا مع أصدقاء وزملاء للحديث عن ترجمتي رواية" بيت حُدّد" للروائي السوري فادي عزام.
في الغرفة، كان هناك عود.
سألني عازف العود، الجرّاح عمر عبيد، وهو أيضاً طبيب في السويداء، عن نسبي.
أخبرته أن والدي هو السفير السابق الدكتور جبر الأطرش، فسألني: " ابن سليمان عبدي الأطرش، الشاعر؟ ".
قلت نعم، ثم فاجأني بغناء قصيدة لجدي.
وكنت الشخص الوحيد في الجمهور الذي يعرف الكلمات كما كتبها غزلاً:" لبست تنورة صيني وردت عالبيرخدّه يا وردة جنيني بأول تزهيرحملت عاكتفه الجرة لتملي الميسبحان اللي صورها أبدع تصوير"في تلك اللحظة، لم تكن سورية متخيَّلة.
لم تكن سياسية، أو أكاديمية، أو مترجمة، أو مدروسة فقط.
كانت صوتاً ونسباً.
كانت قصيدة جدّي تعود إليّ في غرفة في السويداء.
أشبه بالمعجزة الغريبة أن يتعرّف المرء إلى نفسه في أغنية قبل أن يتعرّف إلى نفسه في مكان.
وقد منحتني تلك اللحظة، ولو لوقت وجيز، شعوراً بالداخلية، والانتماء، والتجذّر، الذي افتقدته طوال حياتي.
*كأنما تتجاور لديك فكرة" فقدان الوطن" مع محاولة استعادته وإعادة تشكيله، ما جعل الشرط السياسي، وخصوصاً الاعتقال السياسي، يتصدر على جوانب أخرى من التجربة السورية.
إلى أي حد نجح نظام الأسد في تشويه فهمنا لـ" الوطن"؟أعتقد أن نظام الأسد نجح، عقوداً، في تشويه فهمنا" الوطن" بعمق.
فهو لم يحتلّ الحياة السياسية فقط، بل احتلّ أيضاً فكرنا، ولغتنا، والحالة الوجودية التي عرفنا من خلالها أنفسنا، وأسكتنا أنفسنا، وتخيّلنا الانتماء.
علّم السوريين أن الوطن ليس الناس، ولا الأرض، ولا تعدّدية أصواته، ولا حنان الانتماء، بل النظام، والقائد، والشعارات، وفرع الأمن، وزنزانة السجن، والصمت الخانق.
غادرت عائلتي سورية عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، في منتصف الثمانينيات.
ولذلك، أتوجّه إليك، وقد أخبرتني أنك عشت في سورية 36 عاماً، وهذا يعني أنك عشت في ظل الأسدين معاً.
ولا أستطيع إلا أن أتخيّل ماذا كان يعني لكاتب مثلك أن يتنازل عن اللغة نفسها، حتى قبل أن نتحدّث عن النقد، أو المقاومة، أو المعارضة؛ حين صار الوطن، تحت الأسد، شيئاً يراقبك، ويستجوبك، ويعاقبك، ثم يطالبك بالولاء والامتنان على النزع نفسه الذي ألحقه بك.
لهذا يصبح الاعتقال السياسي مركزياً جداً في عملي.
فالسجن، كما تعرف، ليس منفصلاً عن الوطن في ظل الديكتاتورية، بل يصبح أحد أسسه الجوانية.
يخبرنا السجن السياسي السوري أيّ نوع من الأمة كان النظام يبنيه: أمة تُجرَّم فيها الكرامة، ويصبح الخوف فيها طريقة للحكم، ويغدو المعارض فيها الجسد الذي توشِم عليه الدولة سلطتها، وتحذيراتها، وشعاراتها.
لكنني لا أعتقد أن النظام نجح بالكامل.
فلو نجح تماماً، لما ثار السوريون، ولما غنّوا، وكتبوا، وصوّروا، واحتجّوا، ودفنوا، وتذكّروا، وترجموا، وشهدوا.
كانت الثورة محاولة لإنقاذ معنى الوطن من قبضة النظام، وإعلاناً بأن سورية ليست الأسد، وأن الوطن ليس السجن، وأن الانتماء لا يملكه الديكتاتور.
ما زلنا نواجه أسئلة مشابهة: هل يستطيع السوريون إعادة بناء معنى للوطن لا يقوم على الانتقام، أو الانقسام الطائفي، أو العصبيات، أو أشكال جديدة من الاستبداد؟* مع هذا، ألا يحمل اختزال التجربة الأدبية السورية إلى أدب السجون نوعاً من توجيه القراءة؟ ماذا يمكن لدراسة أدب السجون السوري أن تضيف إلى حقول أخرى في الإنسانيات؟أدرّس عمل شريعة طالغاني عن أدب السجون السياسي السوري، وما تسمّيه" شعرية حقوق الإنسان"، حيث يُقرأ أدب السجون السوري لا بوصفه سجلاً للمعاناة فقط، بل بوصفه شكلاً أدبياً وأخلاقياً من أشكال الشهادة.
ويشير مصطلح طالغاني إلى الطريقة التي ينخرط بها أدب السجون في أسئلة حقوق الإنسان عبر الشكل، واللغة، والنوع الأدبي، والصمت، والتشظّي، والتأثّر.
ولا أرى أدب السجون السياسي السوري اختزالاً للتجربة السورية، بل أراه أحد أكثر أرشيفاتها الأخلاقية إلحاحاً.
فهذه النصوص لا تخبرنا فقط أن العنف قد وقع، بل تطلب منا أن نواجه ما يفعله العنف بالإنسان، وباللغة، وبالذاكرة، وبالكرامة، وبإمكانية النجاة، أيضاً من خلال جماليات الكتابة والعمل الإبداعي والفنيّ.
وهذا ما يمكن أن يقدّمه أدب السجون السوري إلى الإنسانيات: أن نقرأ السجن لا بوصفه مؤسسة سياسية فقط، إنما بوصفه جسداً من المعرفة، وحالةً إنسانية.
أعتقد أن أدب السجون السوري يحمل الجرائم والفظائع، نعم، لكنه يحمل أيضاً الحياة، والصمود، والمقاومة.
وهنا أفكّر في كلمات السجين السياسي السابق الشاعر فرج بيرقدار حين يقول: " الحقيقة أن الشعر هو نقيض السجن، مثل ما هو الموت نقيض الحياة"، وأفكّر أيضاً في القاص السوري غسان الجباعي وهو يكتب:" أنا الآن أحيا حياةً أخرى/ بفراخ الطير أحيا/ ببذار القمح والحبق أحيا/ بالياسمين يدور على بيوت الطين.
أَنامُ في أَصيصِ الزَّهْر/ تُسَمّونَهُ قَبْراً/ وأُسَمّيهِ مَزْهَريّة".
* هل تعتقدين أنَّ الأسئلة التي كانت لديك عن سورية الأسد قد حسمت بعد إسقاط النظام؟للأسف، ما زلنا نواجه أسئلة مشابهة: هل يستطيع السوريون إعادة بناء معنى للوطن لا يقوم على الانتقام، أو الانقسام الطائفي، أو العصبيات، أو أشكال جديدة من الاستبداد؟ وهل نستطيع أن نتخيّل وطناً قائماً، بدلاً من ذلك، على الكرامة، والعدالة، وحق كل سوري في الانتماء؟ هنا أفكّر في الروائية السورية نجاة عبد الصمد، وهي أيضاً من السويداء، المدينة التي وُسمت بالمجزرة في تموز/ يوليو 2025، حين كتبت ذات مرة مخاطبةً سورية: " كادَ يُبَحُّ الرَّجاءُ، أَحِبَّتَنا، وكُفّي عن تَهجيرِنا".
تلتقط هذه الجملة، بالنسبة إليّ، إنهاك السوريين بعدما أصبح الأمل نفسه شبه غير محتمل.
فليس اليأس وحده ما يجرح شعباً؛ أحياناً يجرحنا الأمل أيضاً.
* في عدد" سقوط الأبد"، جمعتِ والروائي فادي عزام، في الترجمة، تجارب 38 كاتباً سورياً من جغرافيات سورية مختلفة، توحدهم تجربة مشتركة مع" سورية الأبدية".
اليوم، بعد سنوات من القتال، وصولاً إلى سقوط النظام وما تلاه، هل يمكن أن نتحدّث عن تجربة سورية مشتركة؟ هل يستطيع الفن والأدب أن ينتجا خطاباً بديلاً يلتقط ما بقي مشتركاً بين السوريين؟كان هذا تماماً روح العدد الخاص من" أراب لِت كوارترلي": " سورية: سقوط الأبد".
في المقدمة، كتبنا، فادي عزام وأنا: " ليس من السهل أن تُروى الحكاية السورية، تلك التي كُتبت - ولا تزال تُكتب - في قلب الظلام والنور معاً".
وشرحنا أن" الأدب والفن السوريَّين أخذا على عاتقهما هذه المهمة: لا لتوثيق أحداث مهدّدة بالمحو من الذاكرة فحسب، بل لتحويل زمنٍ ملوّث بالدم إلى نشيدٍ للمقاومة".
وأصررْنا على أن سورية" ليست مجرّد مشاهد حرب، بل إبداع لا يتوقف، وألمٌ مصاغ إلى معنى، وأملٌ طُرق بالمطرقة ليصير هدفاً، وزهرةٌ تُجبر الإسمنت على التصدّع".
أما عن سؤالك حول تجربة سورية مشتركة، فأقول هذا بحذر: على مدى 14 عاماً، حلم سوريون كثيرون بسقوط الأبد، بنهاية تلك الفكرة المرعبة أن آل الأسد أبديون، وأن الخوف أبدي، وأن السجن أبدي، وأن الصمت أبدي.
وفي هذا العدد، اجتمعت أصوات سورية حول انهيار أسطورة شكّلت حياتنا، ولغتنا، وخيالنا.
لكن اليوم، سورية منقسمة من جديد، ومجروحة من جديد، وحزينة من جديد.
لذلك أقول بتردّد: لا أعرف عمّا بعد الآن.
في وسط الاحتفال هناك حداد، وفي وسط سقوط طغيان واحد خوفٌ من طغيانات جديدة، وفي وسط حلم العودة نزوحٌ جديد، وتصدّعات جديدة، وقبور جديدة.
لذلك لا أستطيع أن أقدّم جواباً واضحاً.
أستطيع فقط أن أقول إن سورية تبقى، بالنسبة إليّ، مكاناً يستمر فيه الأمل والحزن معاً.
* إذا حاولنا أن ننظر إلى الحكاية السورية خارج كونها حكاية مأساة، فما الذي يبقى منها؟ بالنسبة إليكِ على الأقل؟سؤال صعب حقاً.
كسورية من مدينة تعرّضت للمجزرة، لا أستطيع أن أنظر إلى الحكاية السورية خارج المأساة.
لكن إذا جلستُ وفكّرتُ في ما وراء المأساة، فما يبقى لي ربما هو الشعب السوري نفسه: طيبته، ولطفه، وكرمه المستحيل، وروحه المرحة، وكرامته، وقدرته على الاستمرار في حب الحياة حتى بعد أن جُعلت الحياة غير محتملة.
سورية هي ثوارها: فدوى سليمان واقفةً بتلك الشجاعة الأخلاقية، ورزان زيتونة مصرّةً على العدالة والتوثيق، وعبد الباسط الساروت يغنّي الحرية في الشوارع، وغياث مطر يقدّم الورود والماء.
هذه الشخصيات تذكّرني بأن سورية ليست مكاناً للمعاناة فقط، بل مكان أنجب أيضاً شجاعة أخلاقية استثنائية.
وسورية هي أيضاً شعراؤها، وكتّابها، ومفكّروها: محمد الماغوط، ونزار قباني، وإبراهيم صموئيل، وفرج بيرقدار، ورياض الصالح الحسين، وسمر يزبك، ومصطفى خليفة، وممدوح عزام، وفادي عزام، ونجاة عبد الصمد، وإياد شاهين، وكثيرون غيرهم ممن منحونا اللغة حين كانت اللغة نفسها تحت الحصار، فما الذي يبقى من سورية خارج المأساة؟ ربما الإصرار على أننا لسنا فقط ما فُعل بنا، بل أيضاً ما نخلقه، وما نواصل تخيّله.
- أكاديمية ومترجمة وكاتبة سورية، دكتوراه في البحث التربوي من جامعة كالغاري، وماجستير في الأدب الإنكليزي من جامعة أوكلاهوما.
- تعمل أستاذة زائرة في برنامج الكتابة والثقافة والسياسة بجامعة جورجتاون في قطر.
درّست في جامعات نورثويسترن في قطر، وألبرتا للفنون، وماونت رويال.
- تركّز في عملها الأكاديمي والترجمي على الأدب السوري، والعدالة المعرفية، والنسوية، وتفكيك المركزية الغربية في النظر إلى الذات العربية.
- وصلت ترجمتها رواية" بيت حدد" لفادي عزّام إلى القائمة الطويلة لجائزة كيركس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك