لطالما ظلت بيوت الشعر، مجهولةً من الداخل بالنسبة للكثيرين.
ترى، كيف يعيش البدو في هذه الخيم؟ وماذا يفعلون للتغلب على حرارة الصيف وبرودة الشتاء؟ ماذا يطبخون وما هي عاداتهم؟ ولماذا يتمسكون بالسكن في بيوت الشعر، ويعتبرونها أفضل من المساكن الحديثة؟وتنتشر بيوت الشعر في سوريا في عدد من محافظات سوريا، وبالأغلب في البادية حيث أجزاء من أرياف السويداء ودمشق وحمص وحماة مروراً ببادية دير الزور، الرقة، والحسكة (منطقة الجزيرة السورية) إلى جانب أجزاء من ريفي حلب وإدلب.
نبدأ الاقتراب من عدة خيم للبدو، منصوبة في ريف حماة الشرقي.
نلقي التحية من بعيد، على الأطفال وأمهم، سائلين عن صاحب البيت، لتبدأ بعدها عبارات الترحيب من داخل البيت، حيث يخرج" أبو ماجد" مرحباً، وهو يصر علينا بالدخول والاستراحة، دون أن يسأل ما هي حاجتنا وماذا نريد؟من عادة البدو، استقبال الضيوف وإكرامهم ثلاثة أيام، قبل معرفة سبب الزيارة، لهذا يكرر أبو ماجد عبارة" هلا بالضيف"، ثم يشير علينا بالجلوس، في" الشقّ" المخصص للرجال والضيوف.
طالباً من زوجته، رفع ستار الخيمة من جهة الغرب، كي يدخل الهواء الرطب لداخل الخيمة.
لا نكاد نلتقط الأنفاس، حتى تدخل أم ماجد، حاملة طبق الطعام، وسط عبارات أبو ماجد المرحبة: " تفضلوا ع الميسور".
زبدة عربية أصيلة، وإبريق" شنينة" و" قريشة"، مع أكواب من الشاي الخمير.
معظم أطباق الطعام عند البدو، تعتمد على منتجات حليب الغنم، وهي من صنع أهل البيت.
ويصر علينا أبو ماجد، تناول صحن الزبدة العربية كاملاً، ويقول إن هذه الزبدة أصيلة موثوقة لا يمكن العثور عليها في السوق.
نتحدث عن عادات البدو، وتعلقهم بالعيش في بيوت الشعر، فيخبرنا أبو ماجد عن بيته الحديث الذي يمتلكه في إحدى القرى القريبة، وعن أشجار الزيتون وبئر الماء.
لكنه يقول إنه اعتاد حياة الترحال، والعيش في بيت الشعر، لأنه لا يرتاح سوى في البرية، ومع قطيع الأغنام الذي يسرح به، في الأراضي المجاورة.
مع الوقت، اقتحمت المخترعات الحديثة بيوت الشعر، حيث التواصل عبر الموبايل والإنترنت بات ضرورياً.
كما غابت عادة إشعال النيران من أجل طهي الطعام، نتيجة توفر الغاز، فضلا عن تراجع استخدام فوانيس الإضاءة القديمة، والاعتماد على البطاريات والطاقة الشمسية و" اللّدات".
خزانات المياه تنتشر حول محيط المنزل، وقد أدخل الكثير من البدو، عادة تربية الدجاج، من أجل الحصول على البيض، حيث يخصص لها مكان مسقوف مع شبك معدني بجوار بيت الشعر.
ينقسم بيت الشعر الكبير، لعدة بيوت أكبرها" الشق"، المخصص للرجال واستقبال الضيوف، وبجانبه" المحرم" المخصص للنساء والطبخ وتخزين الطعام.
ويفصل بين كل قسم داخل البيت، ساتر قماشي مزخرف، كما تُفرش الأرض بالسجاد والبساطات التقليدية ومدّات الاسفنج، حيث تغيب الكراسي والطاولات تماماً عن المكان.
الأبناء رافقوا القطيع إلى المرعى.
يقول أبو ماجد، وهو يصرّ علينا تناول المزيد من الزبدة العربية المصنوعة من حليب الغنم.
نظرات الأطفال البريئة، تبدو مليئة بالفضول، وهم يتحلقون حول جدّهم، محاولين فهم ما يدور من حديث.
ويقول أبو ماجد، إن إرسال الأطفال إلى المدارس أمر صعب، بسبب طبيعة الترحال التي تحكم حياة البدو، لكن الأهل يحرصون على تعليمهم، جميع العادات والتقاليد التي ورثوها عن الأجداد.
ومع ازدياد عدد الأبناء، تتعدد بيوت الشعر، ويتحول كل منها إلى شقة، يتزوج فيها الابن ويستقر.
يستريح الأبناء بعد يوم عمل مضنٍ، وبينما يسرح القطيع في الأرض المجاورة، يتولى كلب الحراسة المهمة، حيث يعتبر مساعداً للراعي، وجرس إنذارٍ يحذره عند حصول الخطر.
وعندما يهبط المساء، تأخذ المسامرة جوها الخاص، على ضوء البطارية المشحونة بفضل لوح الطاقة الشمسية.
يحدثنا أبو ماجد عن حلمه بالحياة والمستقبل.
ويقول إن ارتباطه بالبرية، أمر لا جدال فيه مهما تطور العصر، فهنا راحة البال والهدوء، حيث التعامل مع الطبيعة البكر، يعيد الإنسان إلى الجذور.
نسأل أحد الأبناء، عن كيفية قيادة هذا العدد الكبير من أغنام القطيع؟ فيقول إن الحمار بمثابة قائد للأغنام، فما إن يتحرك، حتى يتبعه" المرياع" أو الكبش الضخم المزيّن، وتكون تلك إشارة لجميع الأغنام ببدء المسير.
لا يخفي البدو، استفادتهم من تقنيات الحياة العصرية، مثل الموبايل والطاقة الشمسية واستخدام الغاز عوضاً عن الحطب.
لكنهم يقولون إنهم كثيراً ما يشعلون النار، إرضاءً لحنينهم إلى رائحة الخشب عندما يحترق.
ويصف البدو حياة بيت الشعر، بالبسيطة والمعبرة الصادقة، عن الإنسان وعلاقته بالطبيعة.
ولهذا يحرصون على نقل هذا الغرام لأبنائهم، حتى لا تأكلهم الحياة الحديثة، بقشورٍ تبدو مزيفة، أمام عذرية البريّة الأم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك