في هذا العصر الرقمي يوفر عديد من تطبيقات اللياقة البدنية والأجهزة القابلة للارتداء والمنصات الإلكترونية أدوات لمراقبة التقدم، سواء كان ذلك عداد خطوات أو جهاز مراقبة معدل ضربات القلب أو عداد سعرات حرارية أو مخطط تمارين، إذ توفر هذه التقنيات بيانات فورية وعروضاً مرئية للتقدم، مما يساعد في تتبع الأهداف وتعديلها.
وهنا يكمن السر الخفي والبسيط، فهذه التطبيقات تسهل عملية جمع البيانات بصورة كبيرة.
فبدلاً من أن تكون في حاجة إلى قياس تكوينات جسدك وكتابتها في مذكرة ومتابعة التقدمة بالورقة والقلم، برزت هذه التطبيقات لتزودك بتدفق مستمر من المعلومات حول جسمك، ليس فقط أثناء التمارين الرياضية، بل على مدار يومك بأكمله، فهي بارعة في تتبع المؤشرات التي يصعب رصدها بطرق أخرى.
شهدت سوق أجهزة تتبع اللياقة البدنية العالمي نمواً هائلاً من 11.
6 مليار دولار إلى نحو 62 مليار دولار، مما يدل ربما إما على مدى فائدة هذه الأجهزة للكثيرين، أو على شعورهم بالفضول تجاهها والرغبة في تجربتها، علهم يمارسون الرياضة التي يتخلفون عنها غالباً أو يقيسون بياناتهم بطريقة أسرع وأدق.
وقد اعتبرت هذه الأدوات رائعة لالتقاطها بيانات مثل معدل ضربات القلب، فهي تراقب مناطق معدل ضربات القلب في الوقت الفعلي لضبط شدة التمرين، وتجعل المتمرن يشاهد تحسن لياقته القلبية الوعائية على مدار الأسابيع والأشهر.
كذلك تعمل بطريقة غير مباشرة على تحسين جودة النوم، وذلك عبر تتبع مراحل النوم الذي يفتح نافذة على التعافي، وهو جزء ضخم، وغالباً ما يجري تجاهله من لغز اللياقة البدنية.
وإضافة إلى ذلك فهو يتتبع مستويات النشاط، حيث يحصل الرياضي على صورة كاملة لحركته تتجاوز التدريبات المخطط لها، وذلك من خلال تتبع الخطوات اليومية والدقائق النشطة وعدد مرات الوقوف.
ففي الواقع، يوجد الآن أكثر من 250 ألف تطبيق للياقة البدنية والصحة، ويطلق عليها اسم" تطبيقات الصحة المتنقلة"، وهي متاحة للتنزيل وربطها بأجهزة ذكية يرتديها الرياضي.
ولكن ما مدى فاعليتها؟ وما الدليل على أنها تفعل ما تدعيه؟وجد باحثون من جامعة فليندرز أن الشباب الذين يستخدمون تطبيقات الحمية واللياقة البدنية بانتظام هم أكثر عرضة لتطوير عادات سلبية تتعلق بالطعام والتمارين الرياضية وصورة الجسم.
وعن هذا قالت إيزابيلا أندربيرغ، الطبيبة في علم النفس السريري، " إنه في حين أن تطبيقات الهاتف المحمول يمكن أن تفيد الناس من خلال حثهم على ممارسة الرياضة، فإن تركيزها على تقييد النظام الغذائي وفقدان الوزن قد يؤدي إلى سلوكيات مفرطة، خصوصاً بالنسبة إلى أولئك الذين لديهم مخاوف مسبقة في شأن صورة أجسامهم".
وأضافت" وجدنا أن الشباب الذين يستخدمون تطبيقات الحمية واللياقة البدنية يعانون أعراض اضطراب الأكل بصورة أكبر، مثل اتباع أنظمة غذائية ضارة أو تقييدية، ولديهم أفكار سلبية حول صورة الجسم مقارنة بأولئك الذين لا يستخدمونها".
وقام الباحثون بمراجعة 38 دراسة لفحص الروابط بين استخدام التطبيقات وخطر الإصابة بسلوك قهري، فيما يتعلق بفقدان الوزن وصورة الجسم وحساب السعرات الحرارية وممارسة الرياضة.
واستشهدوا ببيانات ذكرت أن 311 مليون شخص على مستوى العالم استخدموا تطبيقات الصحة لتتبع وجباتهم وسعراتهم الحرارية وتمارينهم الرياضية عام 2023.
وقالت السيدة أندربيرغ في هذا السياق إنه" بالنسبة إلى بعض الناس، قد يصبح هذا الأمر هاجساً، وقد يسبب أيضاً مشاعر الذنب إذا لم تحقق أهداف معينة تتعلق بالنظام الغذائي أو التمارين الرياضية".
يرى المؤيدون لأجهزة التتبع أن توعية الناس بأنماطهم المتعلقة بالطعام والرياضة والنوم والتوتر قد تساعدهم على اتخاذ خطوات لتحسين صحتهم.
وهناك أبحاث موثوقة تدعم فكرة أن مجرد تتبع العادات قد يحفز على تغيير السلوك نحو الأفضل، لكن بالنسبة إلى بعض الأشخاص قد يكون هذا التقييم الذاتي المفرط ضاراً أكثر من كونه مفيداً.
فبعد إكماله خمسة سباقات نصف ماراثون، قرر العداء مايك كولينز شراء ساعة رياضية، ظناً منه أن تتبع معدل ضربات القلب والسرعة والمسافة سيساعده على كسر حاجز الساعة وخمسين دقيقة في سباقه التالي، لكن هذه الساعة كان لها تأثير معاكس تماماً عليه، إذ يقول" فجأة، أصبحت أبالغ في التفكير في كل شيء، أزيد السرعة عندما لا أكون مستعداً أو أبطئها عندما كان عليَّ الاستمرار في بذل الجهد، وكل ذلك من أجل الأرقام على معصمي".
أما جيسيكا كوردينغ متخصصة التغذية في مدينة نيويورك وبعد حصولها على جهاز تتبع الخطوات للمرة الأولى، أضافها أحد أصدقائها إلى مجموعة من الأشخاص يتنافسون فيما بينهم على أكبر عدد من الخطوات اليومية، وقد أصبح الجانب الاجتماعي التنافسي غير صحي بالنسبة إليها، وانتهى بها الأمر بإصابة في أوتار الركبة.
وتتمثل إحدى المشكلات الأخرى في عديد من الأجهزة القابلة للارتداء في استخدامها لأهداف موحدة تناسب الجميع، مثل هدف المشي 10 آلاف خطوة يومياً، وهي أهداف لا تستند بالضرورة إلى أدلة علمية، أو يسهل على غير المتخصصين في المجال الصحي تفسيرها بأنفسهم.
ونتيجة ذلك، قد تؤدي هذه الأجهزة إلى الإصابة إذا كان نوع النشاط أو كميته لا يتناسبان مع قدرة الشخص البدنية، أو إذا دفعت بيانات الجهاز المستخدم إلى إجهاد نفسه أكثر من اللازم.
وهناك من يظن البعض أن إدمان أجهزة تتبع اللياقة البدنية ليس ضاراً جداً، نظراً إلى أن اللياقة البدنية تعتبر عموماً أمراً إيجاباً.
ولكن كغيره من أنواع الإدمان، قد يؤدي إدمان هذه الأجهزة إلى عواقب وخيمة، فالتركيز المفرط على الأرقام والبيانات قد يطغى على الهدف الأساس المتمثل في اتباع نمط حياة صحي.
لذا فمن مؤشرات إدمان أجهزة تتبع اللياقة البدنية، التحقق من جهازك بصورة متكررة، حتى أثناء العمل أو المحادثات المهمة، وعد خطواتك بصورة قهرية أو مراجعة القياسات الصحية أو تسجيل التقدم المحرز، إضافة إلى شعورك بالقلق إذا فاتك يوم من التمارين الرياضية أو تتبع السعرات الحرارية، مع إهمالك للعلاقات أو المسؤوليات لتحقيق أهدافك المتعلقة بجهاز تتبع اللياقة البدنية.
هذا وستقوم بالبحث بصورة مكثفة عن أحدث تقنيات اللياقة البدنية والتقنيات القابلة للارتداء، من دون إهمال نقطة الإفراط في التدريب أو نقص التغذية أو تجاهل الإصابات بناءً على توصيات جهاز التتبع.
أما النقطة الأكثر أهمية فهي ربط قيمتك الذاتية أو ثقتك بنفسك ببيانات جهاز تتبع اللياقة البدنية الخاص بك، ومن العلامات الرئيسة الأخرى التي قد تدل على وجود مشكلة في جهازك صعوبة التوقف عن استخدامه، فإذا كنت تحاول باستمرار من دون جدوى تغيير علاقتك بجهازك القابل للارتداء، فقد يشير ذلك إلى أنه يؤدي دوراً غير صحي في حياتك.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)قد يكون لتتبع البيانات الصحية بصورة قهرية آثار سلبية على الصحة النفسية، فما بدأ كرغبة في إنقاص بضعة كيلوغرامات من طريق حساب السعرات الحرارية، سرعان ما يتحول إلى هوس.
وترى ميليسا بيرتون، اختصاصية تغذية في لوس أنجليس، أن أجهزة تتبع النشاط قد تفاقم مشكلات الصحة النفسية، وتقول: " يؤدي استخدام هذه الأجهزة إلى محاسبة الناس لأنفسهم بناءً على تحقيقهم أو عدم تحقيق أهدافهم، مما يعرضهم لخطر اضطرابات الأكل والإفراط في ممارسة الرياضة واضطراب الأكل الصحي (أورثوركسيا).
لقد أصبحنا نعيش في عالم يركز على قياس كل جانب من جوانب حياتنا لنشعر بقيمتنا، إن فكرة أنك غير كافٍ حتى تحقق هدفك تولد دافعاً يتجاوز مجرد التحفيز إلى حد الهوس".
فقد يصعب تتبع طعامك الاستماع إلى جسدك، فعندما تركز بشدة على الأرقام، يسهل تجاهل الإشارات الداخلية كالجوع والشبع، وما يشعرك بالراحة من أطعمة.
وفي هذا السياق، تقول جيمي لي وهي اختصاصية تغذية من بورتلاند أوريغون، " يخلق حساب السعرات الحرارية وهماً بالسيطرة، وسرداً زائفاً بأن معادلة رقمية أكثر حكمة من إشارات جسدك الداخلية، فهو يختزل الطعام إلى محتواه من الطاقة، متجاهلاً جوانب أخرى من الأكل تضفي السعادة والراحة".
ليس هذا فحسب، بل يبدو أن تطبيقات تتبع السعرات الحرارية لا تجدي نفعاً إذا كان هدفك هو تحسين التغذية.
وعن هذا تقول راشيل هارتلي، اختصاصية تغذية في كولومبيا، " بالتركيز على الأرقام، أجد أن الناس غالباً ما يلجأون إلى الأطعمة المعلبة لأنها أسهل في التتبع.
إضافة إلى ذلك تقلل معظم تطبيقات التتبع عبر الإنترنت من تقدير حاجات الطاقة بصورة كبيرة، ومن الأدق بكثير الاستماع إلى إشارات الجوع والشبع في جسمك لمعرفة كمية الطعام التي تحتاج إليها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك