في الحقيقة، إننا لم نعرف أبداً ما كان رأي الرسام الفرنسي" الانطباعي" الكبير بيار أوغوست رينوار في اللقب الذي أُسبِغ عليه خلال السنوات الأخيرة من حياته، ولا سيما بعد رحيل رفاقه في تيار الرسم الانطباعي في بلده، ومنهم بخاصة إدوارد مانيه وكلود مونيه وسيسلي وبيزارو وغيرهم، أي حين انفرد هو أخيراً بحمل لقب" زعيم الانطباعيين".
صحيح أن هذا اللقب كان متداولاً من دون أن يضفي عليه أحد أية مصداقية رسمية، وأن الزعامة في هذا التيار كانت تتنقل بسهولة بين أي رسام كبير وآخر.
لكننا اليوم، تاريخياً، حين نستخدم اللقب يبدو علينا وكأننا نعني رينوار بالتحديد.
ومع ذلك، لن يفيدنا في شيء أن نبحث عن مساندة لهذا" التعيين" غير الرسمي - نكرر - في أي صفحة جدية من صفحات الكتاب المرجع عن حياة بيار أوغوست وهو المعنون" رينوار أبي" للسينمائي الفرنسي جان رينوار، أحد أبناء الرسام الكبير.
غير أننا في المقابل قد نتجه إلى" تساهل" في التسمية حين نتذكر تلك" المعجزة الفنية" والإنسانية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة من حياة الرسام حين أصابه نوع من شلل في يده اليمنى، ما جعل من المحتم ربط تلك اليد بقطعة خشب ثابتة ما يمكن الرسام من وضع ألوانه على اللوحة من دون أن يشعر مشاهد اللوحات لاحقاً بالأمر.
لكن تلك لم تكن المعجزة الوحيدة في حياة رينوار وفنه.
إذ لا بد لنا دائماً من أن نتحدث حول زعامته للتيار الانطباعي، متسائلين عما إذا كان رينوار أصلاً جديراً بأن يعتبر انطباعياً ودع جانباً مسألة الزعامة.
ونعرف أن استحقاق فنان لأن يعتبر منتمياً إلى تيار فني معين يجبره على اتباع قواعد وقوانين وأبعاد جمالية تكون البنية المؤسسة للتيار.
والحقيقة أننا إن طبقنا هذا المبدأ البسيط على رينوار سنجدنا أمام ما يمكننا اعتباره تواطؤاً عجائبياً من نوع فريد في تاريخ الفن.
تواطؤ يمكننا أن نعترض عليه بالتأكيد ليس فقط بالقول إن رينوار لم يكن زعيم التيار الانطباعي، بل لم يكن انطباعياً أصلاً إلا في مراحل قليلة ومتفرقة من مساره المهني، وربما غالباً لدوافع معيشية، كأن يُطلب منه مدير أعماله أو تاجر اللوحات الذي يتعامل معه عدد معين من اللوحات بمقاييس معينة لزبائن أجانب!صحيح أن هذا الكلام قد يبدو معيباً في حق هذا الفنان الكبير.
ولكن أليس من المعيب أن يُحصر فن كبير ومدهش كذلك الفن الذي وسم عشرات الأعمال التي أنتجها رينوار في حياته في تيار له من القواعد والقوانين ما يدحض تلك الفردية الإبداعية التي لطالما دافع رينوار نفسه عنها، ونجدها تطل مزدهية بنفسها في كل صفحة من صفحات كتاب الابن؟ وهذا ما يضعنا أمام جملة من حقائق" رينوارية"، تحفل بها اللوحات والمراحل المتعاقبة من المسار الفني لهذا الرسام، وهي في جملتها حقائق تصرخ في كل لحظة من اللحظات متسائلة بغضب: أين هي الانطباعية في هذا الفن؟فالحقيقة أن التجوال في لوحات رينوار، من النوع الذي أتيح خلال الفترة الأخيرة من خلال معرض عنوانه" رينوار والحب"، كما من خلال عشرات الكتب والكاتالوغات التي صدرت للمناسبة، يكشف لنا عن خصوصيات في فن هذا المبدع الكبير الذي عاش بين 1841 و1919، تجعل كل مرحلة من مراحل تنوعه الفني شديدة الخصوصية ومن الصعب ربطها بتيار محدد.
فهو الذي سيكون لاحقاً استشراقياً، ولا سيما في لوحاته" الجزائرية"، وسينهل في خضم ذلك من محاولات بالغة النجاح لمحاكاة بعض قواعد الواقعية الرمزية التي رسخها روبنز من قبله، كما سيفعل بالنسبة إلى تأثره في حقبة أخرى بالايطالي تيسيانو.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وهو، لئن كان قبل ذلك قد شارك مانيه في الاطلاع على بعض القواعد الانطباعية، فإنه شاركه أيضاً في خرق تلك القواعد.
فهو أكثر من استخدام اللون الأسود متأثراً بمانيه (الذي من المعروف أنه أكثر من استخدام الأسود في لوحاته بعد عودته من إسبانيا متأثراً بفيلاسكيز)، فابتعد في ذلك كلياً عن مجاراة رفيقه الآخر بيزارو في لوحات الفضاء الخارجي المبجلة للطبيعة.
ولئن كان الانطباعيون قد ركزوا على استخدام الرفاق والأصدقاء شخوصاً في لوحاتهم كجزء من الطبيعة، فإن رينوار عكس الآية بحيث إن الطبيعة أضحت لديه، وقد غمرت بالشخص والوجوه المعروفة، مجرد" مكان" تنتج في داخله البورتريهات الجماعية التي لم تجد مجدها الإبداعي إلا في خروقات مانيه نفسه لقواعدها.
ولعل هذا ما يقرب مثلاً لوحة" مطحنة الغاليت" كما رسمها رينوار عام 1876 في واحدة من أجمل لوحاته، من تحفة مانيه" ليلة الفولي بيرجير".
ويقيناً أن هذه المقاربة بين لوحتين أساسيتين لمن يعتبران" زعيمين" من زعماء الانطباعية تقول لنا الكثير، وليس فقط حول الانطباعية بل حول ما إذا كانت قد وجدت أصلاً! !طبعاً لا يمكن لعجالة من نوعنا هذا أن تتبنى مثل هذه النظرات والآراء الجدية المتعلقة بنوع من إعادة نظر بدأ يلوح في أفق الدراسات الأكاديمية المتعلقة بالانطباعية، والتي بدأت تطفو على السطح منذ سنوات، وبالتحديد خلال السنوات الأخيرة التي تواكبت مع استذكار ولادة الانطباعية نفسها لمناسبة مرور 150 عاماً على رسم لوحة كلود مونيه الشهيرة بالعنوان الذي وضعه صحافي معادٍ للتيار الانطباعي كنوع من السخرية: " انطباع شمس مشرقة"، الذي تم تبنيه على رغم طابعه الساخر.
والحقيقة أن ثمة الكثير اليوم من المراجعات الأكاديمية حول التسمية والقواعد ومن كان، أو لم يكن حقاً، انطباعياً.
ولا ريب أنه حين تصل الأمور إلى" زعيمين كبيرين" من زعماء الانطباعية، هما بالتحديد أشهر ممثليها، رينوار ومانيه، يجد المرء نفسه أمام ثورة في تاريخ الفن قد يصعب التعاطي معها جمالياً وتاريخياً بشكل قاطع.
وربما أيضاً أمام انقلاب راديكالي في عالم البحث الأكاديمي والتصنيف العلمي، ربما ينتج منه نوع من الاستعادة لفردية التعبير الفني بعيداً من الاصطفافات الأرشيفية والتصنيفات المنهجية التي قد نكتشف يوماً أنها ومن دون أدنى شك تشتغل ضد الفن نفسه أصلاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك