يقف لبنان اليوم أمام مرحلة قد تكون من أخطر المراحل التى مر بها منذ عقود؛ فبين استمرار المواجهة على حدوده الجنوبية، وتعقيدات التفاهمات الإقليمية، يزداد الإلحاح على ضرورة امتلاك بيروت مسارا تفاوضيا مستقلا يعالج قضاياها الأمنية والسياسية بعيدا عن حسابات الصراعات الإقليمية الأوسع.
وتزداد الخطورة مع اقتراب انتهاء مدة تفويض قوات «يونيفيل» المنتشرة فى الجنوب منذ عام 1978؛ فهذه القوة، على الرغم من محدودية قدرتها على منع الحروب، فقد ظلت تمثل شاهدا دوليا ومظلة رقابية ساهمت فى الحد من الانفلات الكامل للأوضاع.
أما انسحابها من دون بديل أو إطار دولى جديد، فقد يفتح الباب أمام فراغ أمنى وسياسى كبير، خصوصا فى ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلى لمناطق حدودية واستمرار الخلافات حول ترتيبات ما بعد الحرب.
لا خلاف على أن أى تقدم فى المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران قد ينعكس إيجابيا على الجبهة اللبنانية، غير أن التهدئة شىء، والحل الدائم شىء آخر؛ فربط مصير لبنان بالكامل بمسار التفاهمات الإيرانية - الأمريكية يعنى عمليا إبقاء الأزمة اللبنانية رهينة لعوامل خارجية تتقدم وتتراجع وفق مصالح أطراف لا تضع بالضرورة المصلحة اللبنانية فى مقدمة أولوياتها.
لقد أثبتت سنوات الهدوء النسبى منذ عام 2006 وحتى ما قبل الحرب الأخيرة، أن تحويل الجنوب اللبنانى إلى ساحة لتبادل الرسائل الإقليمية لم يؤدِّ إلى تسوية مستقرة، بل إلى دورات من التصعيد والهدوء المؤقت.
ومن هنا تتزايد القناعة الإقليمية والدولية بأن لبنان يحتاج إلى مفاوضات مباشرة تعالج قضاياه، وتحدد بصورة نهائية قواعد الأمن والاستقرار على أراضيه، بعيدا عن سياسة ربط الملفات.
المعادلة الجديدة التى تتبلور اليوم تقوم على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى الدولة اللبنانية وحدها، وأن أى تسوية مستدامة لا بد أن تنطلق من مصالحها الوطنية قبل أى اعتبارات أخرى؛ فلبنان لم يعد يحتمل انتظار نتائج المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، بينما يتآكل اقتصاده وتتفاقم خسائر الجنوب يوما بعد يومٍ.
إن المطلوب ليس القطيعة مع المحيط الإقليمى، ولا تجاهل تأثير التفاهمات الدولية، بل بناء مسار لبنانى مستقل يستفيد من أى تهدئة إقليمية دون أن يصبح رهينا لها؛ فاستقرار لبنان الحقيقى لن يتحقق بمجرد هدوء مؤقت تفرضه تفاهمات خارجية، وإنما عبر تسوية لبنانية خالصة ونهائية تحسم الصراع على أرضه، وتعيد للدولة وحدها حق إدارة مستقبلها وحدودها وقرارها السيادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك