في عمق الصحراء الغربية، حيث ترسم الرمال ملامح الصبر والتحدي، كانت قرية" سملا" بالكيلو 7 بمرسى مطروح تواجه مصيرًا قاسيًا، حوالى عشرون ألف نسمة، تشتتت أحلامهم بين آبار مالحة بلغت ملوحتها 15000 جزء في المليون، وبين بساتين زيتون وتين بدأت بالذبول تحت وطأة العطش.
لم تكن الأزمة مجرد نقص في المياه، بل كانت تهديدًا وجوديًا لسبل العيش والأمن الغذائي، في ظل تراجع نصيب الفرد في مصر من المياه العذبة إلى ما دون حد الندرة المطلقة لكن، من رحم هذه الشدة، ولد مشروع" سملا" ليمثل فرصة تنموية فريدة، جمعت بين التكنولوجيا المتقدمة والمشاركة المجتمعية الواعية، بتمويل مشترك بين القطاع الخاص المصرى و احدى الشركات الألمانية.
لم يكن التدخل في سملا تقليديًا، بل اعتمد على نهج WEFE المتكامل، وهو الربط الذكى بين (المياه، الطاقة، الغذاء، والنظم البيئية)، حيث يرتكز هذا النظام على وحدة تحلية مياه متطورة تعمل بنظام التناضح العكسي، استطاعت تحويل المياه غير الصالحة من الآبار الجوفية إلى مياه نقية بملوحة لا تتجاوز 108 أجزاء في المليون.
وتعمل هذه المنظومة بالكامل عبر نظام كهرومغناطيسي شمسي خارج الشبكة بسعة 60 كيلو وات، مما حرر القرية من قيود انقطاع التيار الكهربائي وجعلها" جزيرة طاقة" مستقلة، فهذه الطاقة لا تكتفي بتشغيل محطة التحلية، بل تمتد لتشغيل صوبة زراعية حديثة تبلغ مساحتها 360 مترًا مربعًا، مجهزة بأنظمة ري وتنقيط ذكية تخلق حلقة مغلقة من الاستدامة.
مليونا لتر مياه و15 طن خضروات سنويًاصوبة زراعية تنتج محاصيل تصل إلى 15 طنًا سنويًامنذ انطلاق المشروع، تحولت المؤشرات من السلب إلى الإيجاب المطلق، ففي غضون 5 أشهر فقط، ضخ المشروع نحو مليوني لتر من مياه الشرب الآمنة، وبحسب التقارير، فإن محطة التحلية تنتج حاليًا 60 مترًا مكعبًا يوميًا، وهو ما يكفي لتغطية احتياجات حوالى 9000 فرد بشكل يومى ومباشر.
أما على الصعيد الغذائى، فقد كسرت الصوبة الزراعية المبردة حاجز المستحيل، حيث بدأت في إنتاج محاصيل لم تكن تزرع في المنطقة مثل الخيار والفلفل والكوسا، بقدرة إنتاجية مستهدفة تصل إلى 15 طنًا سنويًا، و هذا الإنتاج لم يوفر غذاءً فحسب، بل خلق فرص عمل لآلاف الأفراد و ساهم فى تحسين دخل الأسر المحلية.
سملا نموذج يحتذى به في" الجمهورية الجديدة"أكد اللواء محمد الزملوط، محافظ مطروح، أن مشروع سملا يمثل نموذجًا متكاملًا للتنمية المستدامة، مشيرًا إلى أن نجاح الشراكة بين القطاع الخاص والمجتمع المدني يدعم جهود الدولة في تحسين جودة الحياة بالمناطق الصحراوية.
وأشاد المحافظ بفكرة المشروع وأهدافه التنموية موجخهًا الشكر لأهالى قرية سملا على تعاونهم فى انجاحه، موجهًا بتشكيل لجنة من مديرية الزراعة للمتابعة الدورية ودراسة التوسع فى تنفيذ مشروعات مماثلة خاصة فى مناطق غرب مطروح.
التكنولوجيا أداة لتمكين المجتمعاتوقال أسماء الشيمي، مدير الاستدامة بالشركة المنفذة، أن المشروع دمج البعد التعليمي عبر إنشاء" منطقة لعب تعليمية" وجدار تعريفي يشرح للأطفال والكبار مفاهيم الاستدامة، لغرس ثقافة الحفاظ على الموارد فى الجيل القادم.
ملكية مجتمعية وإدارة رقمية ذكيةأضافت أن ما يميز مشروع سملا هو" روح الملكية"، فقد شارك نحو 120 فردًا من السكان في عمليات البناء والتركيب، وتم تدريب مشغلين محليين لإدارة المنظومة تحت مراقبة رقمية ذكية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء (IoT) المقدمة من شنايدر إلكتريك.
ولضمان استمرارية الأثر، يتم الترتيب لتسليم المشروع لجمعية" سيدي حنيش" المحلية لإدارته، مع استمرار البرامج التدريبية لأهالي المنطقة، حيث أثبتت تجربة سملا أن التحديات البيئية القاسية فى المناطق القاحلة يمكن تحويلها إلى فرص للنمو والازدهار إذا ما توفرت الإرادة المشتركة والحلول المبتكرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك