انتشرت خلال الحرب العالمية الأولى ظاهرة الجندي المصوِّر، أما حرب فييتنام فكانت أول حرب تُنقل للناس عبر البث التلفزيوني، في حين أصبحت حرب الكويت أول حرب تبث على الهواء مباشرة، ولذلك يمكن وصف الحرب السورية بأنها أول حرب على وسائل التواصل الاجتماعي.
في كتاب: (سوريا: الثورة والحرب في العصر الرقمي)، اكتشف المحررون بأن: " المتظاهرين المناهضين للنظام، والنشطاء، والمقاتلين المسلحين، نشروا ملايين مقاطع الفيديو عبر الإنترنت" ما يشير إلى حجم جديد ومختلف من المعلومات، ولكن ما التداعيات التي خلفتها هذه الظاهرة؟صدرت النسخة الإنكليزية من هذا الكتاب في عام 2025، على الرغم من صدور النسخة الفرنسية الأصلية في عام 2021، اي قبل سقوط نظام الأسد بسنوات.
وقد جمع هذا الكتاب اثني عشر مؤلفاً في تخصصات متنوعة شملت الأنثروبولوجيا والتاريخ والعلوم السياسية وعلم الاجتماع، حيث عملوا على تقييم مقاطع الفيديو التي نشرها السوريون بأساليب متنوعة ومختلفة.
وعندما حاول المحررون فهم كثرة التأويلات، خرجوا بنتيجة مفادها بأن: " الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لم يكونا السبب وراء خروج الثورات، بل ما حدث في الشوارع كان هو العنصر المهم"، وفي ذلك قدر كبير من المنطق، لكن المحررين تابعوا بأنه: " على الرغم من ذلك، تزامنت هذه الثورات مع ظهور أشكال جديدة من الاحتجاجات في سياقات سياسية سلطوية للغاية، وبذلك أصبح الإنترنت هو أيضاً ساحة للمواجهة والمراقبة".
وإذا كانت هذه العبارة ذات الطابع الأكاديمي تترك القارئ في حالة من الحيرة والغموض، فإن النتيجة الأعقد التالية كفيلة بإقناع القارئ بأن كتاب (سوريا: الثورة والحرب في العصر الرقمي)، لا يقدّم إضافة واضحة.
إذ يذهب النص إلى القول: " منذ عام 2011، أسهم تحوّل الصور، إلى جانب اتساع شبكات الانتماء والأجندات السياسية لمنتجي الصور، في إبراز الطريقة التي همشت من خلالها الثورة بالتدريج، لصالح تدويل الصراع الذي انتهى إلى طمس نشأتها بل حتى إنكار وجودها".
وإذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً، فإن الكم الهائل من المقاطع المصوّرة لم يؤدِّ إلى توضيح الصورة بقدر ما ساهم في خلق مزيد من التشويش، الأمر الذي يحدّ من القيمة التحليلية لهذا لكتاب.
بالمحصلة، يبدو أن كتاب (سوريا: الثورة والحرب في العصر الرقمي)، يطرح أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات حاسمة.
فبين وفرة المادة البصرية الهائلة وتعدد المقاربات الأكاديمية، يظل القارئ أمام صورة غير مكتملة عن دور الإعلام الرقمي في تشكيل سردية الحرب السورية.
وبينما يسعى الكتاب إلى تفكيك أثر الفيديوهات ومنصات التواصل الاجتماعي في توثيق الصراع أو إعادة إنتاجه، فإنه ينتهي في كثير من الأحيان إلى تعقيد المشهد بدل شرحه وتبسيطه.
وهكذا، يبقى أثر" الحرب الرقمية" مفتوحاً على التأويل، تماماً كما بقيت سوريا نفسها ساحةً لسرديات متنافسة لم تُحسم حتى اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك