التصوف ورهان الإصلاح.
في ضرورة التربية التخليقية والتزكوية، وتنقية الطريق من أدعيائهفي معنى أن يكون التصوف مشروع إصلاحليس التصوف -في جوهره العميق- انسحابا من العالم، ولا فرارا من ميدان الفعل الحضاري إلى زوايا التواكل والخمول، بل هو -كما أسسه أربابه الأوائل- مشروع تحويل جذري للإنسان، يبدأ من أعماق الذات ليصل إلى أطراف المجتمع، ويعيد تشكيل العلاقة بين العبد وربه، ثم بين العبد والخلق، على أساس من الصدق والإحسان والاستقامة.
فالتصوف الحقيقي -كما قال الإمام الجنيد رحمه الله- «مبني على الكتاب والسنة»، وغايته أن يبلغ المريد مقام الإحسان الذي أشار إليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
ومن هذا المنطلق النبوي الجامع، يتبين أن التصوف ليس ترفا روحيا يضاف إلى الدين، بل هو لب الدين وروحه السارية، وأنه يحمل في طياته مشروع إصلاح شاملا متى ما استعيدت أصوله، وصفيت ينابيعه، وتحرر من أيدي الأدعياء والمتاجرين.
إن العبقرية الإصلاحية للتصوف تكمن في إدراكه العميق لحقيقة بسيطة وعظيمة في آن واحد.
إن المجتمع لا يتغير إلا بتغير الأفراد الذين يتكون منهم.
وهذه الحقيقة هي نفسها التي أعلنها القرآن في قانونه الكونيالتربية الصوفية التخليقية.
هندسة الباطن لإصلاح الظاهرالتزكية فريضة قبل أن تكون فضيلةإن القرآن الكريم حين جعل التزكية من مهمات النبوة الأربع -كما في قوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ [الجمعة: 2]- إنما أشار إلى أن تطهير النفوس وتهذيب الأخلاق ليس شأنا هامشيا، بل هو ركن ركين في البناء الإيماني، لا يستقيم بدونه علم ولا عمل ولا حضارة.
والتربية الصوفية الأصيلة -كما بلورها أعلامها من الحارث المحاسبي إلى أبي حامد الغزالي، ومن عبد القادر الجيلاني إلى أبي الحسن الشاذلي، ومن أحمد زروق إلى مولاي العربي الدرقاوي- إنما هي منهج متكامل في «هندسة الباطن»، يقوم على:المحاسبة.
وهي أن يقف العبد مع نفسه وقفة الحاسب الصارم قبل أن يحاسب، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا».
والمحاسبة عند القوم ليست مجرد مراجعة سطحية، بل هي غوص في أعماق النية والقصد، وتفتيش عن الشوائب الخفية التي تلوث صفاء العمل.
المجاهدة.
وهي مدافعة هوى النفس وكسر شهواتها المستعلية، لا بمعنى تعذيب الجسد أو إماتته – كما يتوهم الجاهلون – بل بمعنى ترويض النفس على الطاعة حتى تألفها، وصرفها عن المعصية حتى تنفر منها.
قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: 69].
المراقبة.
وهي استدامة استشعار معية الله تعالى في السر والعلن، حتى يصير العبد في حالة يقظة دائمة، لا يأتي حراما ولا يدع واجبا، لا خوفا من الناس، بل حياء من الله.
وهذا مقام هو الذي يصنع الإنسان الرقيب على ذاته، الذي لا يحتاج إلى شرطي في كل زاوية؛ لأن الشرطي في قلبه، وهو نور الإيمان والمراقبة.
التخلية والتحلية.
أي تخلية القلب من الرذائل – كالحسد والكبر والرياء والعجب والحقد والغل والطمع – ثم تحليته بالفضائل -كالتواضع والإخلاص والصدق والإيثار والرحمة والحلم والعفو-.
وهذا الثنائي التربوي هو لب المنهج الصوفي في التزكية، وهو ما عبر عنه الإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين» بـ«ربع المهلكات» و«ربع المنجيات».
من تزكية الفرد إلى إصلاح المجتمعإن العبقرية الإصلاحية للتصوف تكمن في إدراكه العميق لحقيقة بسيطة وعظيمة في آن واحد.
إن المجتمع لا يتغير إلا بتغير الأفراد الذين يتكون منهم.
وهذه الحقيقة هي نفسها التي أعلنها القرآن في قانونه الكوني: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: 11].
فالتصوف يشتغل على «الإنسان» باعتباره الوحدة الأساسية للتغيير، ولا يقدم وصفات سياسية خارجية أو إصلاحات هيكلية مجردة، بل يعيد بناء الإنسان من الداخل، من جذر النية والإرادة والوعي، ثم يطلقه في المجتمع وقد صار مشروع خير متحرك، يصلح بسلوكه قبل كلامه، ويؤثر بحاله قبل مقاله.
وهذا ما تشهد به التجربة التاريخية العظيمة للتصوف الإسلامي، حين كانت الزوايا والربط والخوانق مراكز إشعاع تربوي وأخلاقي واجتماعي، تخرج رجالا يحملون قيم الإسلام في سلوكهم، وينشرون العدل والرحمة والإحسان في محيطهم.
بل إن كثيرا من الشعوب دخلت الإسلام -في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وغيرها- لا بالسيف ولا بالحجة النظرية وحدها، بل بأخلاق الصوفية وسلوكهم الذي جسد جمال الإسلام تجسيدا حيا ناطقا.
ظاهرة" مافيا التصوف"، أولئك الذين اتخذوا من التصوف واجهة لمآرب دنيوية، ومطية لشهوات خسيسة، وتجارة رائجة في سوق السذاجة والجهل" مافيا التصوف".
حين يختطف الطريقظاهرة الأدعياء.
تشخيص لا تعميمغير أن الإنصاف يقتضي – بل إن الأمانة العلمية والروحية تلزم – أن نواجه بشجاعة ووضوح ظاهرة خطيرة ما فتئت تنخر في جسد التصوف، وتشوه صورته، وتبعد الناس عنه، وتقدم لخصومه الذخيرة الحية التي يستخدمونها للطعن فيه.
إنها ظاهرة" مافيا التصوف"، أولئك الذين اتخذوا من التصوف واجهة لمآرب دنيوية، ومطية لشهوات خسيسة، وتجارة رائجة في سوق السذاجة والجهل.
ونحن نستخدم تعبير «مافيا التصوف» – على قسوته الظاهرة – لأنه يصف بدقة ما آلت إليه بعض الممارسات التي تنتسب زورا إلى طريق القوم.
الشيخ المزيف.
الذي نصب نفسه شيخا وهو خلو من العلم والحال والتربية، لم يجلس بين يدي عارف، ولم يعان سلوكا، ولم يذق من مشارب القوم شيئا.
لكنه أتقن لعبة المظاهر: العمامة الكبيرة، والسبحة الطويلة، والكلام الغامض، والادعاءات العريضة من الكرامات والمكاشفات والأحلام والإلهامات.
وهو في حقيقته أبعد الناس عن الله؛ لأن أول شرط في الطريق هو الصدق، وهذا قد بنى وجوده كله على الكذب.
تحويل الزاوية إلى إقطاعية.
حين تتحول الزاوية – التي يفترض أن تكون مدرسة للتربية ومنارة للإشعاع – إلى مشروع عائلي يورث كما تورث العقارات، ويدار بمنطق الربح والخسارة، ويستغل فيه المريدون استغلالا ماديا فاضحا باسم «الخدمة» و«الفتوح» و«النذور».
فيصير المريد عبدا لشيخه لا لربه، ويصير الشيخ سيدا مطاعا لا مربيا ناصحا.
إلغاء العقل باسم التسليم.
وهذه من أخطر الآفات، حين يطلب من المريد أن يلغي عقله إلغاء تاما أمام الشيخ، وأن يكون «كالميت بين يدي الغاسل»، لا فيما يخص أدب الطلب والتلقي – وهذا مشروع في حدوده – بل فيما يخص التمييز بين الحلال والحرام، والحق والباطل، والمعروف والمنكر.
فيصير الشيخ المزيف مشرعا من دون الله، وتصير كلمته فوق النص، وإرادته فوق الشريعة.
خلط التصوف بالشعوذة والدجل.
حين تمارس باسم التصوف طقوس لا علاقة لها بالإسلام، من سحر وتعاويذ مشبوهة، واختلاط محرم، وبدع محدثة، وغلو في الأولياء يصل إلى حدود الشرك – والعياذ بالله -.
وهذا مما يلبس على العامة ويجعلهم يخلطون بين حقيقة التصوف وبين هذه الخرافات.
القاعدة الزروقية الذهبية هي الميزان الذي يفرق به بين التصوف الأصيل والتصوف المغشوش؛ فالأصيل مضبوط بالشريعة، خاضع لأحكامها، لا يتجاوزها ولا يدعي الاستغناء عنهاالتصوف الحقيقي يتبرأ من هؤلاءوالحق الذي يجب أن يقال بأعلى صوت: إن التصوف الحقيقي من هؤلاء براء؛ فلا هم منه ولا هو منهم، وكيف يكون منهم وهم يناقضون كل أصل من أصوله؟التصوف أساسه الإخلاص، وهؤلاء أساسهم الرياء.
التصوف أساسه التجرد، وهؤلاء أساسهم الطمع.
التصوف أساسه العلم والاتباع، وهؤلاء أساسهم الجهل والابتداع.
التصوف أساسه خدمة الخلق، وهؤلاء أساسهم استعباد الخلق.
التصوف أساسه التواضع والانكسار، وهؤلاء أساسهم الكبر والاستعلاء.
قال الإمام أحمد زروق -فقيه التصوف ومحققه- في قواعده الشهيرة: «كل تصوف لا يقيده الفقه فهو فاسد، وكل فقه لا يعمره التصوف فهو عاطل».
وهذه القاعدة الزروقية الذهبية هي الميزان الذي يفرق به بين التصوف الأصيل والتصوف المغشوش؛ فالأصيل مضبوط بالشريعة، خاضع لأحكامها، لا يتجاوزها ولا يدعي الاستغناء عنها.
أما المغشوش فطليق بلا ضابط، يفعل صاحبه ما يشاء ويدعي أن «الحقيقة» أعفته من «الشريعة»، وهذه زندقة مكشوفة.
إن من أوجب الواجبات اليوم على أهل التصوف الحقيقيين -علماء وشيوخا ومريدين- أن يقوموا بعملية تصفية وتنقية شجاعة وشاملة، تتضمن:فضح الأدعياء وكشف زيفهم بالعلم والبرهان والبيان، لا بالسكوت عنهم بحجة «حسن الظن» أو «الستر».
فإن السكوت عن الباطل ليس سترا بل تواطؤا، والساكت عن الحق شيطان أخرس كما قال العلماء.
إعادة ربط التصوف بأصوله العلمية الرصينة: بالكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح، وبالمتون الصوفية المعتمدة التي ألفها أئمة محققون جمعوا بين العلم والعمل والحال.
فتح الزوايا والطرق على المجتمع، بتحويلها إلى مؤسسات تربوية وعلمية واجتماعية حقيقية، تقدم للمجتمع خدمات ملموسة في التعليم والتهذيب والإصلاح والتكافل، لا مجرد مجالس ذكر مغلقة لا أثر لها في الواقع.
المنهج التربوي الصوفي ليس نظريات في أبراج عاجية، بل هو منهج عملي مجرب عبر أربعة عشر قرنا، أنتج رجالا ونساء بلغوا من الكمال الخلقي والروحي ما يدهش العقولقدرة التصوف على الهيمنة التخليقية.
رؤية استشرافيةأولا.
لماذا التصوف تحديدا؟قد يتساءل متسائل: في زمن العولمة والحداثة والثورة الرقمية وانهيار المنظومات القيمية التقليدية، هل يملك التصوف حقا القدرة على الهيمنة التخليقية داخل المجتمع؟ أليس هذا ضربا من الحنين الرومانسي إلى ماض لن يعود؟والجواب: إن التصوف يملك من المؤهلات الجوهرية ما يجعله -إذا استعيدت أصوله ووظف توظيفا صحيحا- أقدر المقاربات الإسلامية على مواجهة أزمة القيم المعاصرة، وذلك لأسباب عدة:التصوف يشتغل على البعد الذي أهملته المقاربات الأخرى: فالمقاربة الفقهية الصرفة اشتغلت على ضبط الظاهر -وهذا ضروري، ولا شك- لكنها أغفلت أحيانا عمارة الباطن، فأنتجت في بعض الحالات التزاما شكليا بلا روح.
والمقاربة الفكرية اشتغلت على العقل والنظر -وهذا مطلوب- لكنها أغفلت القلب والوجدان.
وجاء التصوف ليملأ هذا الفراغ, وليقول: إن الإنسان لا يستقيم بالحكم الفقهي وحده، ولا بالفكرة المجردة وحدها، بل يحتاج إلى تربية قلبية تجعل الإيمان ذوقا وحالا ومعاناة، لا مجرد معلومة ذهنية.
التصوف يقدم نموذجا تربويا متكاملا ومجربا.
إن المنهج التربوي الصوفي ليس نظريات في أبراج عاجية، بل هو منهج عملي مجرب عبر أربعة عشر قرنا، أنتج رجالا ونساء بلغوا من الكمال الخلقي والروحي ما يدهش العقول.
وهذا المنهج – بآلياته في الصحبة والذكر والمراقبة والمحاسبة والخدمة والخلوة والجلوة – قابل للتطوير والتكييف مع متطلبات العصر، دون أن يفقد جوهره.
التصوف يعالج أصل الداء: إن أزمة المجتمعات المعاصرة – الإسلامية وغير الإسلامية – هي في جوهرها أزمة أخلاقية.
فالفساد والظلم والأنانية والجشع والعنف والتفكك الأسري والاجتماعي، كلها أعراض لمرض واحد عميق، هو مرض القلب.
وأنى لقانون أو مؤسسة أو تقنية أن تصلح ما فسد في القلوب؟ يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
والتصوف هو علم إصلاح القلوب بلا منازع.
ثانيا.
آليات الهيمنة التخليقيةوالمقصود بـ" الهيمنة التخليقية" ليس السيطرة القهرية أو الإكراه، بل هو التأثير الأخلاقي العميق والنافذ الذي يجعل القيم الروحية والأخلاقية هي المرجعية الحاكمة لسلوك الأفراد وعلاقات المجتمع.
وهذه الهيمنة يمكن أن تتحقق عبر عدة آليات.
إحياء مؤسسة" الصحبة" التربوية: فالصحبة هي حجر الزاوية في المنهج الصوفي.
والإنسان -كما قرر علماء النفس والتربية القدامى والمحدثون- يتأثر بمن يصاحب أكثر مما يتأثر بما يقرأ أو يسمع.
ولذلك فإن إعادة بناء شبكات الصحبة الصالحة، حيث يتعلم المريد من شيخه بالقدوة الحية والمعايشة اليومية، كفيلة بإنتاج جيل من الصالحين المصلحين الذين ينشرون الخير بوجودهم قبل كلامهم.
تحويل الذكر إلى ثقافة مجتمعية.
فالذكر ليس مجرد ترديد لفظي، بل هو – في حقيقته – استحضار دائم للوعي بالله، ينتج يقظة أخلاقية مستمرة.
وحين يتحول الذكر إلى ثقافة يومية يعيشها المجتمع في بيوته ومساجده وأسواقه ومدارسه، فإنه يصنع بيئة روحية طاردة للفساد وجاذبة للصلاح.
قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ (الرعد: 28).
إعادة الاعتبار لمنظومة" الأخلاق" باعتبارها جوهر الدين.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لخص رسالته كلها في قوله: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
والتصوف هو الحارس الأمين لهذه الحقيقة، والمذكر الدائم بها في مواجهة كل اختزال للدين في الشكل دون المضمون، أو في العبادة دون المعاملة، أو في الحكم الفقهي دون الروح الأخلاقية.
بناء نموذج" الإنسان الرباني" في مواجهة النماذج المادية.
ففي عالم تسوده النماذج الاستهلاكية والمادية والفردانية الأنانية، يقدم التصوف نموذجا بديلا: نموذج الإنسان الذي يعيش لله وبالله ومع الله، الإنسان الذي يرى في كل مخلوق أثرا من آثار الخالق فيرحمه ويحسن إليه، الإنسان الذي يملك ولا تملكه الدنيا، الإنسان الذي يعطي ولا ينتظر، ويعفو ولا يحقد، ويخدم ولا يستعلي.
هذا النموذج الرباني -إذا تحقق في أعداد كافية من أفراد المجتمع- كفيل بتحقيق تحول أخلاقي عميق ومستدام.
ثالثا.
التصوف والإصلاح المؤسسيولا ينبغي أن يفهم من كلامنا أن التصوف يكتفي بالتأثير الفردي ولا يمتد إلى البعد المؤسسي، بل إن التاريخ يشهد بأن الطرق الصوفية كانت -في أوج عطائها- مؤسسات اجتماعية فاعلة، تقوم بأدوار متعددة.
تعليمية.
تعليم القرآن والعلوم الشرعية والتربية الروحية.
اجتماعية.
إطعام الجائع وكفالة اليتيم وإيواء المحتاج والإصلاح بين المتخاصمين.
اقتصادية.
تنظيم الحرف والصنائع وتأسيس أخلاقيات العمل والتجارة.
سياسية.
مقاومة الاستعمار والظلم والفساد، كما فعل الأمير عبد القادر الجزائري، وعمر المختار، وعثمان دان فوديو، وغيرهم من أعلام الجهاد الصوفي.
وإعادة تفعيل هذه الأدوار المؤسسية للتصوف -بأساليب عصرية وإدارة حديثة ورقابة شفافة- من شأنها أن تعيد للتصوف حضوره الإصلاحي الحقيقي في المجتمع.
إن رهان الإصلاح بالتصوف ليس رهانا سهلا ولا هينا، لكنه رهان ممكن وضروري.
ممكن لأن التصوف يملك الرصيد التاريخي والمنهجي والروحي الذي يؤهله لقيادة مشروع التحول الأخلاقيفي ضوء ما تقدم، يمكن اقتراح ملامح ميثاق صوفي إصلاحي يكون مرجعية للعمل التربوي والاجتماعي الصوفي المعاصر.
الالتزام المطلق بالشريعة.
لا تصوف بلا فقه، ولا حقيقة بلا شريعة، ولا ذوق يعارض النص.
فكل دعوى لـ" حقيقة" تتجاوز" الشريعة" هي زندقة مقنعة يجب رفضها وفضحها.
العلم قبل العمل، والعمل قبل الدعوى.
فلا شيخ بلا علم، ولا مريد بلا تعلم، ولا طريقة بلا منهج علمي مضبوط.
و" من عمل بلا علم أفسد أكثر مما يصلح" كما قال العلماء.
الشفافية والمحاسبية.
فالزوايا والطرق مؤسسات أمة، لا إقطاعيات أفراد.
يجب أن تخضع لمعايير الحوكمة والشفافية، وأن تكون مواردها وأنشطتها مفتوحة للمراجعة والمحاسبة.
الانفتاح على المجتمع والعصر.
فالزاوية ليست جزيرة معزولة، بل هي قلب ينبض في جسد المجتمع.
يجب أن تنفتح على قضايا العصر وتحدياته، وأن تقدم إجابات روحية وأخلاقية حقيقية لمشكلاته.
التجديد في الأساليب مع الحفاظ على الثوابت.
فالثوابت -وهي أصول التزكية والتربية- لا تتغير، لكن الأساليب والوسائل قابلة للتجديد والتطوير بحسب مقتضيات الزمان والمكان والحال.
محاربة التصوف المغشوش من داخل البيت الصوفي.
فأهل التصوف أولى الناس بتنقية طريقهم من الأدعياء والمتاجرين، ولا ينبغي أن يتركوا هذه المهمة لخصوم التصوف الذين يستغلون أخطاء الأدعياء للطعن في التصوف كله.
إن رهان الإصلاح بالتصوف ليس رهانا سهلا ولا هينا، لكنه رهان ممكن وضروري.
ممكن لأن التصوف يملك الرصيد التاريخي والمنهجي والروحي الذي يؤهله لقيادة مشروع التحول الأخلاقي، وضروري لأن البدائل الأخرى -من علمانية جافة أو تدين سطحي أو مادية طاغية- أثبتت عجزها عن ملء الفراغ الروحي والأخلاقي الذي يعاني منه الإنسان المعاصر.
لكن هذا الرهان لن يكتب له النجاح ما لم تتحقق ثلاثة شروط جوهرية.
تنقية التصوف من داخله، بتطهيره من الأدعياء والمتاجرين والخرافيين.
تجديد خطابه وأساليبه بما يتناسب مع لغة العصر وتحدياته، دون المساس بجوهره الروحي والعلمي.
تكامله مع الجهود الإصلاحية الأخرى، الفقهية والفكرية والاجتماعية والسياسية، في مشروع حضاري إسلامي جامع، لا يقصي أحدا ولا يحتكر الحقيقة.
والله سبحانه وتعالى وحده المسؤول عن النتائج، وعلينا بذل الأسباب والسعي في طريق الإصلاح بصدق وإخلاص، فمن صدق الله صدقه الله، ومن أراد الحق أعين عليه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك