أوصى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي باعتماد إطار وطني يؤطر استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات التعليم والتكوين والبحث العلمي، وذلك في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها هذا المجال وتأثيراته المتزايدة على المنظومة التربوية.
وأكد المجلس، في توصيته رقم 2026/1، المعنونة بـ”من أجل اعتماد إطار وطني لتوجيه استعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي”، والصادرة في أبريل الماضي، أن إدماج الذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً قائماً داخل الفضاء التعليمي، سواء من خلال استخدامه في البحث عن المعلومات أو إعداد الدروس أو إنجاز الأنشطة التعليمية، مشيراً إلى أن هذا الانتشار يتم بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على تأطيره وتنظيمه.
وأضاف المجلس في توصيته أن هذه الوضعية تبرز وجود فجوة مقلقة بين تسارع الاستخدامات وغياب إطار مؤسساتي واضح، وهو ما قد يؤثر سلباً على جودة التعلمات ويهدد بتوسيع الفوارق بين المتعلمين.
وشدد المجلس على أن الذكاء الاصطناعي، رغم مخاطره، يتيح فرصاً واعدة لتطوير العملية التعليمية، من خلال دعم التعلم الفردي، وتحسين جودة الموارد التعليمية، ومساعدة المدرسين في تتبع تقدم المتعلمين.
غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تبقى رهينة بوجود تأطير تربوي واضح واستراتيجية وطنية متكاملة.
وفي هذا السياق، أبرزت التوصية عدة رهانات أساسية، من بينها الحفاظ على التوازن في بناء القدرات المعرفية لدى المتعلمين، خاصة في ظل خطر الاعتماد المفرط على الحلول الجاهزة التي تقدمها التطبيقات الذكية، إضافة إلى ضرورة تنمية التفكير النقدي والاستقلالية الفكرية.
كما أشار المجلس إلى أهمية تأهيل الأطر التربوية، معتبراً أن تمكين المدرسين من فهم أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها بشكل واعٍ يشكل شرطاً أساسياً لضمان توجيه سليم لهذه التكنولوجيا داخل الفصول الدراسية.
وأضاف المجلس أن إدماج الذكاء الاصطناعي يطرح تحديات استراتيجية، من بينها حماية المعطيات الشخصية، وضمان السيادة الرقمية، واحترام التنوع اللغوي والثقافي، خاصة في ظل هيمنة لغات معينة على محتويات هذه التكنولوجيا.
ودعا المجلس إلى إحداث إطار وطني مرجعي يحدد شروط استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، ويضبط أدوار مختلف الفاعلين، مع التأكيد على ضرورة بقاء القرار التربوي بيد الإنسان وعدم تعويض دور المدرس.
كما أوصى باعتماد مقاربة تدريجية قائمة على التجريب والتقييم المستمر، تسمح باختبار الاستخدامات بشكل محدود قبل تعميمها، مع الحرص على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين.
وفي جانب آخر، شدد المجلس على أهمية إشراك الأسر والمجتمع المدني في تأطير استخدام الذكاء الاصطناعي، نظراً لتأثيره الذي يتجاوز أسوار المدرسة، داعياً إلى تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطره وفرصه.
وختم المجلس توصيته بالتأكيد على أن التحدي لا يقتصر على تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يتعداه إلى إعادة التفكير في دور المدرسة نفسها، بما يضمن إعداد متعلمين قادرين على فهم هذه التحولات والتفاعل معها بشكل مسؤول وفعّال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك