وكالة شينخوا الصينية - الصين تؤكد فرض حظر الدخول إلى أراضيها على مشرعين نيوزيلنديين قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - اتفاق وقف إطلاق النار.. هل تضع أمريكا مصلحة لبنان في الحسبان؟ وكالة شينخوا الصينية - مُتظاهرون يُغلقون مقر مفوضية اللاجئين في العاصمة الليبية طرابلس قناة الغد - استشهاد شاب فلسطيني برصاص الاحتلال قرب رام الله روسيا اليوم - رضائي: كنا ننتظر أن يتحرك العدو نحو الضاحية لتتحول حرب الأربعين يوما إلى "جحيم" لإسرائيل CNN بالعربية - مصر.. طلب إحاطة للحكومة بشأن مطاعم "نظام الطيبات" وسط تحذيرات من حملات ترويجية وكالة شينخوا الصينية - الصين تطلق مجموعة أقمار صناعية جديدة للكوكبة التجارية روسيا اليوم - مواجهات عنيفة في جنوب لبنان رغم اتفاق وقف النار وحزب الله يؤكد: فجرنا عبوات ناسفة في قوة إسرائيلية قناة العالم الإيرانية - بوتين: روسيا مستعدة لدعم حل يخفف التوتر حول إيران روسيا اليوم - لافروف: واشنطن تراجعت عن تعهداتها بشأن أوكرانيا.. والغرب يسعى لمحاصرة روسيا وإعادة رسم المنطقة
عامة

علي مصطفى المصراتي الساخر حد المرارة (3)

بوابة الوسط
بوابة الوسط منذ يومين
1

بمتابعة الغوص في مجموعة المصراتي «الجنرال في محطة فكتوريا» يمكننا أن نلمس فيها الولع بتقشير الشخوص التي تتملق القيم الإنسانية كي تصل إلى غاياتها اللاإنسانية، وانتسابها المرضي إلى أمجاد الماضي المنتقاة...

ملخص مرصد
يتناول الكاتب علي مصطفى المصراتي في مجموعته القصصية «الجنرال في محطة فكتوريا» شخصيات تعاني من أوهام الماضي وانحطاط القيم، مستخدماً السخرية لفضح الجهل والادعاء. تبرز قصص مثل «حكاية جاسوسة» و«شاكوش شنة قلعة» و«شيخ محلة» نماذج بشرية متشبثة بسلطة زائفة أو مجد مزعوم، تنتهي جميعها بالكشف عن زيفها. يسلط المصراتي الضوء على صدام الثقافات بين الجنوب والشمال عبر شخصيات تعيش في عزلة فكرية واجتماعية.
  • المصراتي ينتقد شخصيات متشبثة بمجد مزعوم عبر قصص «حكاية جاسوسة» و«شاكوش شنة قلعة».
  • شخصيات مثل رفعت أفندي وشيخ محلة تعيش في وهم السلطة أو الماضي دون تمييز الحقيقة.
  • القصص تكشف عن زيف الداخل والخارج عبر رموز مثل الخنازير والعملات المزيفة.
من: علي مصطفى المصراتي

بمتابعة الغوص في مجموعة المصراتي «الجنرال في محطة فكتوريا» يمكننا أن نلمس فيها الولع بتقشير الشخوص التي تتملق القيم الإنسانية كي تصل إلى غاياتها اللاإنسانية، وانتسابها المرضي إلى أمجاد الماضي المنتقاة من الذاكرة، والأهم من ذلك تشريح مفهوم الجهل حين لا يعني عدم المعرفة ولكن ادعاء معرفة كل شيء.

وتظل هذه المحاكمة الدرامية عبر الاستجواب السردي لأزمات الشخوص التاريخية أداة المصراتي في تعرية كل ما من شأنه تلويث الحلم الإنساني واللعب بعواطف الجموع، من أجل الاستحواذ المنهجي على وجدانهم.

في قصة «حكاية جاسوسة» يبدأ وصف الشخصية لخلق انطباع مسبق عنها لدى القارئ: «له وجه خنزيري وبطن كبرميل اللفت وعيناه تبصان كحرباء متربصة» وهو موظف في إحدى المؤسسات الدولية، رغم وصوله لأرذل العمر كان لا يكف عن مطاردة النساء، والأجنبيات خاصة، ينتهز فرصة غياب (دانت) الشخص المهذب الذي يكره الاستعمار ويتعاطف مع مطالب الحرية وحقوق الإنسان، ليقتحم شقة زوجته مارجريتا لاوس - سيدة مثقفة وفنانة - وهو ثمل، لكنها تتخلص منه عبر استدراجه ليخلع ملابسه وتخرجه آخر الليل عارياً في الشارع، ليتهمها فيما بعد بالجوسسة لصالح الاستعمار.

إن التعرية الرمزية التي اشتغل القاص عليها في نماذجه السابقة، يجسدها هنا بشكل مباشر، لمركب إنساني شائع تراكمت على جلده طبقات من الجهل والادعاء والانحطاط الغريزي والذي لا يني حتى وهو في قمة عريه وهوانه يستعرض بطولاته «وقف العريان المرتعد أمام زوجته زاعماً لها أن لصوصاً اقتحموه وكتفوه وضربهم وشج رأسهم» وهكذا تدخل الشخصية مختبر القاص لفض طبقاتها بمحاليل سخريته وتحديد مكونات هذا المركب البشري المأزوم وتعريته والذي ستنتهي به القصة وهو يبحلق في كومة ملابسه مصراً على إقناع زوجته بأن اللصوص الملاعين أرسلوا له ملابسه نكاية به.

في قصة «شاكوش شنة قلعة» يطرح المصراتي شخصية مختلفة دون أن يخفي تعاطفه معها؛ رفعت أفندي الشيخ المحتفظ بشاكوشه الذي كسر به باب شنة قلعة، وكيف استطاع بهذا الشاكوش أن يهزم جنود الحلفاء عندما أرادوا تطويق إسطنبول.

يصبح هذا الشاكوش «ركيزة حديثه ومحور أسماره ومنطلق ذكرياته» يُحدِّث الجميع عنه وهو يلوّح به في وجوههم، وعندما يسافر إلى الحج يضيع الشاكوش، فتضطر العائلة لتصنيع شاكوش مثله عند الحداد، ويعود ليلوِّح بالشاكوش المزيف من جديد، وهو يتحدث عن قيمته التاريخية، ويترك وصيته بعد موته «احتفظوا بشاكوش شنة قلعة لا تفرطوا فيه».

رغم تعاطف المصراتي مع الشخصية إلا أنه لا يعتقها من وضعها في سياقه الساخر، مفككاً وسواسها القهري تجاه لحظة مجد غابر ستغمض عينيه عن كل راهن، بل عن مجرد تمييز شاكوشه الأصلي من المزيف، لأن الشاكوش ليس موجوداً في يده بل في رأسه.

وهكذا تتداعى معظم الشخوص من ذاكرة القاص، محللاً أزماتها أو مصفياً حسابه معها عبر بثه المتوتر لرسائله الأخلاقية، أو تسريب حسه النقدي تجاه مسألة الاحتكاك بالآخر الغربي كما في قصة «العملة من وراء البحر» التي يعرض فيها صاحب بازار لبيع المنحوتات والمشغولات الشعبية ينتظر باخرة سواح، وعندما تصل ويمتلئ درجه بالعملة الصعبة، يخبره جاره تاجر العملة أن العملة كلها مزيفة، فيبصق خلف الباخرة المغادرة التي «تصفر وترسل عبر الأفق دخانها».

كما سيعود لنبش مفهوم السلطة والتشبث بها في قصته «شيخ محلة» في أصغر نماذجها، مستبطناً شخصية عبدالله المزراب، شيخ محلة لضاحية صغيرة من أطراف المدينة، يهيمن على كل شؤونها الصغيرة والكبيرة منذ نصف قرن، حيث هو الوحيد الذي «يفك الخط»، وتقوم قيامته عندما يعرف أنهم يخططون لبناء مدرسة في محلته، ورغم بلوغه التسعين عاماً إلا أنه سيخاف من الأولاد الذين سيتخرجون منها «يكبروا ويقروا وتطير مشيخة عمك المزراب» ويحس برائحة المؤامرة من شيخ محلة مجاورة فيعمل على نقل المدرسة إلى محلته منتقماً منه، وليعود في النهاية منتصراً إلى زوجته لتغسل رجليه بالماء الساخن.

يصل وسواس التمسك بالسلطة إلى ذروته عبر حالة انمحاء الإحساس بالزمن، كما أن الملاحظة التي سيخرج بها من مشاهدته لحفلة سيرك بمحلته هي أن الإنسان حيوان مُدرَّب، حيث ترويض البشر وتدريبهم على الطاعة آلية الاستبداد لتوطيد أركانه، بينما سيطرته على أدوات المعرفة والتواصل آلية أخرى لإحكام قبضته على مجتمعه الصغير، ويتأتى هذا عبر رفضه لبناء المدرسة ولشق الطريق المعبد المار بقريته، فتصبح العزلة أداة أخرة للتحكم.

يختم المصراتي مجموعته القصصية بقصة «بديعة ومصفف الحروف» وهي حبكة مختلفة عن القصص السابقة، فهذه القصة تبتعد عن فضاء السخرية والتهكم الذي اشتغل عليه في باقي نماذجه، وكأنه يقدم هنا الشخصية البديلة التي ينتمي فكريا إليها، مصفف الحروف العاشق لعمله والمنكب عليه بإتقان، وفوق ذلك صاحب الأصابع الملطخة بالحبر التي تمر عليها الكتب والجرائد ودعوات الأعراس والحفلات، الأصابع المختلفة عن أصابع النائب، التي عبرها تصل المعرفة والخبر والإبداع إلى عيون الجميع، وعبر قبوه المظلم يضيء المدينة والمحيط بأكمله بالكلمات والسطور التي يصففها حرفاً حرفاً، وتمر على المصفف وهو مندمج في عمله تعزية فينهار ويسقط، حين يقرأ اسم حبيبته السابقة بديعة في صفحة الوفيات، ويدخل في حزن عميق وتداع لذكرياته معها عبر قراءة رسائلها المقتضبة.

بما يشبه قصيدة ريتسوس «جمال الطبقة الكادحة» يكشف المصراتي أعماق المصفف الكادح بكل ما فيها من أحاسيس ورومانسية مكثفة، حتى يطرق باب حبيبته للتعزية فتفتح هي الباب وتقابله بنبرتها التهكمية القديمة، ورغم أن القاص لا يفسر الالتباس الذي حدث، ولا يطلعنا على مصير التعزية التي صففها له رفاقه في المطبعة، إلا أنه لا يخفي انحيازه لهذا النموذج الذي يضعه كأيقونة أخلاقية في مواجهة الشخصيات المحورية لباقي القصص.

ورغم أني لا أعرف إذا كان ترتيب القصص خاضعا لعامل زمني، أو رؤية خاصة بالمؤلف، أو اعتباطيا، إلا إن هذا التكليل الختامي يبدو كنتيجة موضوعية لاستنطاق نماذجه القصصية يؤول في النهاية إلى قراءة تشبه حادثة النواة التي بعثتها بديعة في إحدى رسائلها إلى المصفف والذي بدوره سأل عن مغزى النواة أصدقاءه من الشعراء واللغويين والدينيين، وذهبوا في تفسيرات وتأويلات معقدة لمعنى النواة، ليكتشف أن ما تقصده «لقاءً قرب النخلة التي في طرف البلاد» لكنه لم يعرف ذلك إلا بعد أن فات الميعاد.

وتبدو هذه الدسيسة الرمزية كحالة تهكم على النقد المكابر الذي يُدخل النص في دائرة من التأويل المعقدة، لنكتشف في النهاية أن كل هذا الاستعراض يبعدنا عن مغزىً قريب، ولكنه بجمال موعد مع الحبيبة قرب النخلة.

تشكل المجموعة رواية في فصول، ورغم تعدد الشخصيات وتفاوت النهايات إلا أن ما يربطها هو الثيمات المتداولة فيها، حيث بمجرد أن تخرج شخصية من دائرة الأحداث، تدخل شخصية أخرى كي تضيء ثيمتها من زاوية أخرى، والذهاب بها إلى طقس تطهري تنطفئ فيه الشخصيات السلبية تباعاً.

فشخصية الجنرال المقيم في الذاكرة عبر عبادته لرتبته العسكرية، تضاء أزمتها من جديد في شخصية رفعت أفندي المتعلق بشاكوشه، وهذا التماهي المرضي مع لحظة المجد الغابر والمكوث فيها يشكل مشتلاً شاسعاً لرقاب تكلست من شدة التفاتها إلى الخلف.

ومن الممكن تقصي هذا النزوع من زاوية أخرى عبر الشاب الباحث عن عمه «ذخيرة الماضي» في متاهة الحضارة الغربية والتي لم تعطه في النهاية سوى حظيرة خنزير، في مكان لا يعني له الطاعة أو العلاقة بديغول شيئاً ما دامت هذه الذات تعاني من احتقان الذاكرة.

شخصية الفلاح الذي بصق على سيارة المرشح وهي تغيب في ضباب الطريق، ستنهض من جديد في شخصية صاحب البازار في قصة «العملة من وراء البحر» لتبصق على الباخرة وهي تمخر عباب البحر بالسواح الذين ملؤوا خزانته بالعملة المزيفة، وهما شخصيتان ضحيتان للتزييف، الأولى تمثل زيف الداخل والثانية زيف الخارج.

هذه العلاقة المتأزمة بين الجنوب والشمال بين الذات والآخر والتي تعكس صدام أزمنة متفاوتة، لا يفتأ المصراتي يحفر في منجمها، وفي غياب أية إمكانية للتوازن، ستغدو محفوفة بالعري في قصة «حكاية جاسوسة» أو الزيف في «العملة من وراء البحر»، أو التهميش الحضاري في «عمك في باريس»، لأن المجتمع الذي لا تتواصل معه إلا بعقل استهلاكي، وبمعزل عن إنتاج المعرفة، لا يمكنه أن يتيح لك سوى عري في العراء أو خزنة مليئة بالعملة المزيفة أو حظيرة خنازير.

إنها رواية المصراتي، التي يلاحق فيها أوهام مجتمعات العزلة، وأنساق تفكيرها، عبر هزوء لا يكف عن تفكيك هذه الكتل البشرية المحكمة الترسيم، التي أنتجها محيط عبَّاد للبدايات، أسير للقوالب، مجتمع عجول، ولوع بالتعميمات، والحكم على الأمور قبل فهمها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك