في الوقت الذي صادق أعضاء البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، على مشروع قانون لحلّه، تمهيدًا لإجراء انتخابات مبكرة، تواجه حكومة بنيامين نتنياهو عاصفة سياسية متزايدة من الداخل الإسرائيلي بسبب رضوخه لأوامر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوقف إطلاق النار لبنان.
ونتنياهو الذي قدّم نفسه لسنواتٍ بأنه الأكثر قُدرة على إدارة الأزمات الأمنية، يجد نفسه محاصرًا بأزمة داخلية تهدد مستقبله السياسي، وبانتقادات حادة من حلفائه في اليمين الذين يتهمونه بالرضوخ لترمب مقابل الحصول على مظلة سياسية ودبلوماسية تساعده في مواجهة أزماته الداخلية ومحاكماته المستمرة.
وبينما تبدو المعارضة ثائرة ومتمردة، ويزداد الانتقاد داخل الائتلاف بالتزامن مع ضغوط ترمب، يطرح كثيرون سؤالًا: هل دخلت حكومة نتنياهو بالفعل مرحلة العد التنازلي؟وفي إنذار مبكر لحكومة نتنياهو، صادق أعضاء البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، اليوم الثلاثاء، على مشروع قانون لحلِّه، تمهيدًا لإجراء انتخابات مبكرة.
ووفق بيان الكنيست، صوّت النواب بأغلبية 106 أصوات من أصل 120، مقابل صفر، لمصلحة القراءة الأولى من مشروع القانون الذي تقدمت به أحزاب في الائتلاف الحكومي الذي يتزعمه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو.
ويأتي مشروع القانون في وقت يواجه فيه نتنياهو ضغوطًا متزايدة من الأحزاب اليهودية المتشددة دينيا، وسط مؤشرات على احتمال انهيار ائتلافه اليميني.
وتتّهم الأحزاب الحريدية نتنياهو بعدم الوفاء بوعده بإقرار تشريع يعفي الشبان المنتمين إليها والملتحقين بالمدارس الدينية اليهودية من الخدمة العسكرية الإلزامية.
وتولى نتنياهو (76 عاما) رئاسة الوزراء في إسرائيل لأكثر من 18 عاما منذ عام 1996، ويسعى لولاية جديدة رغم مواجهته قضايا قضائية بشبهات فساد.
ويُحمِّل كثير من الإسرائيليين نتنياهو مسؤولية الإخفاق الأمني الذي سمح بوقوع الهجوم غير المسبوق في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويتعرض نتنياهو لانتقادات في الداخل بعد أن أعلن ترمب أن إسرائيل ستوقف خططها لمهاجمة حزب الله حليف إيران في بيروت، مما يسلط الضوء على الضغوط التي يُواجهها الزعيم الإسرائيلي قبل الانتخابات التي تشير استطلاعات الرأي إلى خسارته فيها.
قال ترمب إن إسرائيل وحزب الله اتفقا على وقف الهجمات المتبادلة، وذلك بعد ساعات من إصدار نتنياهو أوامر بشن غارات جديدة على الضواحي الجنوبية لبيروت، مما دفع إيران إلى تحذير من أن إسرائيل تعرّض محادثات طهران مع الولايات المتحدة للخطر.
وقال الكاتب والباحث السياسي أكرم عطا الله في تصريحات إلى «الغد»، إن الرئيس الأميركي يريد إنهاء الحرب في لبنان وإيران بسبب الملل، لأنه من الواضح أنه من الشخصيات التي لا ترغب في إطالة أمد الحروب، بل يريد عقد صفقة سريعة.
وأضاف أن الرئيس الأميركي لا يحب الحروب مثلما قال ابنه إريك، وهو صادق فيما يقول، مشيرًا إلى أن هذه الحرب ضربت كل الدعاية للرئيس ترمب حيث سوَّق نفسه من قبل بأنه رجل اقتصاد وليس رجل حرب، بينما أكلت هذه الحروب من رصيده، وهو يريد أن يغير هذه النظرة.
وفي الوقت الذي يذهب فيه ترمب لإنهاء الحرب لا يرغب نتنياهو في إنهائها لأنه يقترب من انتخابات خلال المرحلة المقبلة، فهو لا يريد أن تتوقف الحرب عند هذه النقطة، لأنه خائف من مصيره في الانتخابات خصوصًا إذا فشل فيها وقُدِّم إلى المحاكمة.
وتابع: «نحن ندرك أن إسرائيل بقرار حل الكنيست، قد دخلت في الحملة الانتخابية، مشيرًا إلى أن «المكالمة التي حدثت بين ترمب ونتنياهو ستطيح بمستقبله السياسي».
وأكد أن قدرة ترمب عالية في إلزام نتنياهو بوقف الحرب في لبنان، وهو ما دفع المعارضة في إسرائيل بأن تقول إن نتنياهو حوَّل إسرائيل إلى تابعة لأميركا وترمب.
ولفت إلى أن إسرائيل تحولت من الدولة «المسيطرة» في المنطقة إلى دولة صغرى تابعة لإرادة الولايات المتحدة الأميركية، والقرار الذي أصدره الرئيس ترمب أمس بشأن وقف الحرب في لبنان، أظهر بالفعل هذه الحقيقة.
ولفت إلى أن الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة بعد 5 أشهر، وإذا حاز الديمقراطيون على أغلب مجلس النواب والكونغرس، فهذا يعني أن الرئيس الأميركي سيقضي باقي ولايته مقيدًا، لا يستطيع اتخاذ أي قرار، وهذا أصعب ما يمكن أن يُوضع فيه الرئيس الأميركي، لذا يحاول جاهدًا أن يُصلح الوضع قبل الانتخابات، لذلك ضغط على نتنياهو بوقف الحرب.
وبالنسبة لنتنياهو فإن الدعاية الانتخابية الخاصة به عكس ما يقوم به ترمب، لأنه مُطالب باستئناف الحرب في الجبهات المختلفة ومنها لبنان، ومن هنا يأتي تصادم الرغبات بين الاثنين.
وأشار إلى أن ترمب أوقف التوغل في لبنان وخصوصا في الضاحية الجنوبية بعد أن أعطى الإذن لإسرائيل بضربها والتوسع على حسابها، وهو ما تسبب في جدل في الداخل الإسرائيلي الذي انقلب على نتنياهو واتهمه بالتبعية.
كواليس مكالمة ترمب ونتنياهووجرت أمس الإثنين، مكالمة هاتفية متوترة بين ترمب ونتنياهو، حيث ضغط ترمب على نتنياهو لتقليص الخطط للقيام بعمليات عسكرية في لبنان، خشية أن تعرقل مثل هذه الخطوة جهوده لدفع اتفاق أولي مع إيران.
وخلال المكالمة ذكَّر ترمب نتنياهو بدعمه لإسرائيل خلال الفترة الأخيرة، وحذّر من أن قصف لبنان قد يؤدي إلى مزيدٍ من العزلة السياسية لإسرائيل في الساحة الدولية.
هذه المكالمة أفصح عنها ترمب وقال عبر منصته تروث سوشال: «تحدثت مع نتنياهو وطلبت منه عدم الشروع في عملية واسعة النطاق في بيروت، لبنان.
وقد أمر قواته بالعودة إلى مواقعها.
شكراً لك، بيبي! ».
وأضاف الرئيس الأميركي «كما أجريت أيضا محادثة مع ممثلين عن قيادة حزب الله، ووافقوا على وقف إطلاق النار باتجاه إسرائيل وجنودها.
ووفقا لذلك، وافقت إسرائيل أيضا على وقف إطلاق النار باتجاههم.
سنرى كم من الوقت سيستمر ذلك - نأمل إلى الأبد».
أما عن كواليس المكالمة، فقال مسؤولان أميركيان ومصدر ثالث مطلع على المكالمة لموقع «أكسيوس» إن الرئيس ترمب هاجم نتنياهو بشدة بسبب تصعيد إسرائيل في لبنان في مكالمة مليئة بالشتائم.
وكانت إيران هددت بالانسحاب من المفاوضات مع الولايات المتحدة بسبب التدخل الإسرائيلي في لبنان.
وخلال المكالمة، وصف ترامب نتنياهو بـ«المجنون» واتهمه بنكران الجميل، وفقًا لمصدرين.
كما أوقف خطة إسرائيل لضرب بيروت.
وقال مسؤول أميركي إن ترمب أخبر نتنياهو أن تنفيذ تهديداته بقصف العاصمة اللبنانية من شأنه أن يزيد من عزلة إسرائيل في جميع أنحاء العالم.
قال اثنان من المصادر إن ترمب زعم أنه ساعد في إبقاء نتنياهو خارج السجن - في إشارة إلى دعمه خلال محاكمة نتنياهو بتهمة الفساد.
ولخص المسؤول الأميريكي تصريحات ترمب لنتنياهو قائلا: «أنت مجنون تماما.
لولا أنا لكنت في السجن.
أنا أنقذك.
الجميع يكرهك الآن.
الجميع يكره إسرائيل بسبب هذا».
وقال مصدر ثانٍ مطلع على المكالمة إن ترمب كان «غاضبا» وفي لحظة ما صرخ في وجه نتنياهو قائلا: «ماذا تفعل بحق الجحيم؟ ».
وقال المسؤول الأميركي إن ترمب كان يعلم أن حزب الله كان يطلق النار على إسرائيل وأن إسرائيل بحاجة للدفاع عن نفسها، لكنه شعر في الأيام الأخيرة أن نتنياهو كان يصعّد الموقف بطريقة غير متناسبة.
بالإضافة إلى التهديدات الموجهة إلى بيروت، تعمل إسرائيل على توسيع عملياتها البرية في جنوب لبنان.
وقال مسؤول أميركي آخر إن ترمب كان قلقا من حقيقة أن إسرائيل قتلت الكثير من المدنيين في لبنان، واعترض على قيام الإسرائيليين بهدم المباني للقضاء على قائد واحد من حزب الله.
في المقابل شنّ قادة في المعارضة الإسرائيلية ومسؤولون سياسيون، هجومًا حادًا على حكومة نتنياهو، على خلفية التطورات الأمنية وإعلان الرئيس ترمب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله.
وهاجم زعيم المعارضة يائير لابيد الحكومة، واصفًا إسرائيل بأنها «دولة اغتيالات بالكامل».
وأضاف لابيد، تعليقًا على الإعلان الأميركي بشأن وقف إطلاق النار: «تحولنا إلى دولة تحت الوصاية بشكل كامل».
وقال رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان: «من غير المقبول أن يبقى شمال البلاد تحت قصف كثيف لأيام متواصلة.
هناك جنود جرحى وقتلى، ورئيس وزراء إسرائيل ينتظر موافقة ترمب لقصف الضاحية».
وأضاف ليبرمان: «هذا ليس رئيس وزراء، بل دمية».
أما رئيس حزب «يشار» غادي آيزنكوت فقال: «لم يكن هناك رئيس وزراء في إسرائيل تلقّى بمثل هذا الخضوع مطلبًا غير معقول بشكل واضح.
نتنياهو يضر بالمصالح القومية لإسرائيل بدافع الضعف».
وطالب وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير نتنياهو بالتمرد على ترمب وعصيان قراراته.
وقال: «سيدي رئيس الوزراء، لقد قلت إن رئيس الوزراء القوي يقول لرئيس الولايات المتحدة: " نعم" عندما يكون ذلك ممكنًا، و" لا" عندما يكون ذلك ضروريًا.
هذا هو الوقت المناسب لنقول لصديقنا الرئيس ترمب: " لا" ».
بدوره، قال رئيس حزب «معًا» نفتالي بينيت: «القدس.
بيت شيمش.
لبنان.
غزة.
الموقع مختلف، لكن القصة واحدة.
حكومة فقدت السيطرة على السيادة الإسرائيلية».
ووقف إطلاق النار في لبنان أشعل النار في إسرائيل، إذ اعتبرته المعارضة وبعض أوساط اليمين تراجعًا عن أهداف الحرب وخضوعًا للضغوط الأميركية، وفي ظل أزمة ائتلافية متصاعدة وخلافات داخلية، يواجه رئيس نتنياهو اختبارًا سياسيًّا جديدًا قد يُحدد مصير حكومته خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، فإنه بسبب الخلافات الداخلية في الائتلاف، قدّم رئيس اللجنة ومنسق الائتلاف، أوفير كاتز، مشروع القانون دون تحديد موعد للانتخابات، مصرحًا بأنه سيُدرج في التشريع قبل قراءتيه الأخيرتين.
وفي الوقت نفسه، اكتفى كاتز بالقول إن الفترة الزمنية المتوقعة ستكون بين 8 سبتمبر و20 أكتوبر.
وقال «لقد أكملنا أربع سنوات في السلطة، لقد وصلنا عمليا إلى النهاية»، هذا ما قاله كاتز في بيان بعد التصويت، مشيدا بفترة حكم الائتلاف.
ويجب إجراء الانتخابات في غضون خمسة أشهر من إقرار القانون، أي في منتصف أو أواخر أكتوبر/تشرين الأول كحد أقصى.
وتشير التقارير إلى أن الأحزاب الحريدية في الكنيست تُفضِّل إجراء الانتخابات في أوائل سبتمبر، قبيل الأعياد اليهودية الكبرى.
وبغض النظر عن هذا التشريع، يجب إجراء الانتخابات في جميع الأحوال قبل 27 أكتوبر/تشرين الأول.
وبحسب ما ورد، حث نتنياهو الأحزاب الأرثوذكسية المتشددة على عدم فرض انتخابات مبكرة في سبتمبر/أيلول، محذرا في محادثات خاصة من أن مثل هذا الجدول الزمني من شأنه أن «يعرض للخطر» فرص الكتلة اليمينية في الفوز.
وجاء قرار المضي قدما في مشروع القانون بعد أن أعلن حزب «يهودية التوراة المتحدة» الشهر الماضي أنه سيسعى إلى حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة، مستشهدا بفشل الائتلاف في تمرير قانون يكرس الإعفاء الذي دام عقودا لطلاب المدارس الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية.
وفي الوقت الذي تواجه حكومة نتنياهو انتقادات مستمرة بسبب إدارة الحرب والأوضاع الداخلية، تمنح بعض استطلاعات الرأي المعارضة أفضلية برلمانية في مقابل معسكر الحكومة الحالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك