في كتابة القصة القصيرة لا مكان للزائد، أو كما يقول كورت فونيغت، في القصة «يجب أن تقوم كل جملة بإحدى وظيفتين: إما كشف الشخصية، أو دفع الحدث إلى الأمام»، لذا عندما يدخل المتلقي عوالم قصصية لروائي، يجد نفسه أمام مقارنة من دون أن يدري، أو أمام سؤال حول قرار الكاتب، لماذا كتب هذه الأفكار قصصا ولم يجعل من إحداها، أو أكثر، مشاريع روايات، وهو القادر، وله باع ونجاحات في كتابة الرواية، وهذا بالفعل ما حدث عندما دخلتُ عوالم «متحف الأخطاء» (دار الشروق 2026)، مجموعة منصورة عز الدين القصصية الجديدة.
لا مكان للزائد، ولكل جملة أحد دورين لا ثالث لهما، مرتبطين بالشخصية أو الحدث، فهل التزمت عز الدين بذلك، أم دخل قرار الروائية على خط القصّ! وهل بالفعل يمكن الفصل بين أساليب السرد أو القصّ أو الحكي هنا وهناك، في القصة والرواية؟ من دون الحديث عن التكثيف والاختصار، أقول إن الروائي قاصّ والعكس، ومن هنا تكون قصص منصورة عز الدين لا مكان فيها للزائد فعلا، ولكن الزائد من الحشو والتكرار والتنميق، أما السردية والفنية والعمق والرموز، فكانت حاضرة، وهذا الأساس.
ضمّت المجموعة خمس عشرة قصة، ثلاثة منها تحت باب واحد، وسأعود إليها لأنّ الجديد تركّز فيها، بدأت مع قصة «متحف الأخطاء» وانتهت بـ»سرحة الغزلان»، وما بينهما قصص إنسانية واقعية متنوعة، الأبطال لم يكونوا من النساء فقط، بل كانوا رجالا ونساء، والأمكنة تنوعت بتنوع موضوعات القصص، من القاهرة إلى باريس، ومنهما إلى اللقاء برحّالة في قصتها المهداة إلى ابن بطوطة «ثوب العالم».
أما القصص الأبرز، من حيث التقنية، ومن حيث سيطرة العاطفة والذكريات، فهي «إلغاء المحبوب»، التي ضمّت «رفقة ظلّي» و»أبعد للمشتاق من إرم» وتفّاح نورماندي»، وفيها اختارت «الروائية» أن تظهر من دون أن تدري، حاولت الاختباء ولكن من دون جدوى!المميز في هذه المجموعة أن منصورة عز الدين بالفعل لم يكن للزائد مكان في ما كتبت، وإن طالت قصة وقصرت أخرى، فالأمر كان مرتبطا بالحدث والفكرة، وإن كانت الشخصيات هي الأساس، ولكن في هذه المجموعة كانت العنصر الثاني بعد الحدث، فواضح أن لكل قصة حدث ما حرّك فكرتها في مخيلة الكاتبة، فوضّبت لها قالبها وشخصياتها، وهذه ميزة أساسية حكمت القصص، لأنّ بعض كتّاب القصة القصيرة، ينطلقون أحيانا من فكرة أو «دهشة» أو مفاجأة ما، يريدون إنهاء القصة بها، فيكون تركيب النص مرتبط بذلك، فيظهر التكلّف، ولا يستطيع الكاتب النجاح في كل ما يحيكه.
وبعضهم يركّز على أفكار ورموز وتكثيف مبالغ فيه.
ومؤخرا ظهرت القصة القصيرة جدّا، وذلك مجال آخر لا دخل له هنا ولكن أحببت الإشارة إليه.
أما مع عز الدين، فالقصة قصّةٌ بأسلوبها وأحداثها وشخصياتها وعلاقاتها، تظهر عاطفة هنا والمكان هناك والذكريات هنالك، وهذا هو المطلوب من القاصّ، أن يسرد وينتقي الحدث والشخصية، ويقدّم حبكته بشغل وتعبٍ وحنكة، وهذا ما قدّمته الكاتبة.
القصص جميعها حكمها إيقاع واحد، وأسلوب واحد، ولغة واحدة، وهذا أبرز نقاط القوة، فلا قصة زائدةٌ أو أقل من غيرها من حيث الطرح، أما الأقرب إلى ذائقتي فما قامت به في القصص الثلاث التي ذكرتها سابقا تحت عنوان واحد «إلغاء المحبوب»، فكأنك كنت تقرأ نوفيلّا بوليفونية، لشخصيات ثلاث، إدريس وآن ماري وشيماء، تجمعهم علاقات متشابكة، وعواطف متقلبة وغامضة، ولكنها كانت تصل إلى المتلقي من وجهة نظر مغايرة وزاوية رؤية مختلفة، مع انتقال السرد من شخصية إلى أخرى، حكت كل شخصية قصتها وانتهت، وسمعنا صوت الأخرى وانتهت، فظهر حسّ الروائية بجديد قدّمته في مجموعتها، فكانت هذه الثلاثية أقرب ما قدمته المجموعة إلى فكري وذائقتي.
لغة عز الدين مشغولة بعناية و»حرفنة»، لم تكثر من المحكية وإن ظهرت، ولم تلجأ إلى «فصاحة» وتنميق مبتذل، وفي الأسلوب والحبك لم تكثر من التذكّر وتداعي الأفكار، ولم تكثر من الشخصيات في القصة الواحدة، ولم تكثر من الترميز والألعاب الحكائية، بل قدمت قصتها وأحداثها وشخصياتها لتصل إلى المتلقي بالبساطة المقصودة، لأنّ «الإنساني» فيها هو الأساس، وإعادة سرد كل ما هو مرتبط بإنسانيتنا بعيدا عن التوجّه إلى نخبةٍ ما، يقصد الكاتب أحيانا الكتابة لها، هو ما ميز نصوص المجموعة، فكأنك تجد همّا خفيّا تمكّن من الكاتبة، وهو أن تعود بالأدب ليتذوّقه معظم المتلقين وليس البعض، وهنا جرأة من الكاتبة تُحسب لها.
إن تراجع القصة والشعر على حساب الرواية في عالمنا العربي قد تتحمل مسؤوليته الرواية نفسها، والمبدعون والناشرون والسوق والجوائز، ولكن المسؤولية الأولى تقع على أكتاف القاصّ الحقيقي، الذي أراد الانتقال بقصصه إلى أماكن وتجارب، قد تكون مبررة، فالتجريب هو الأساس للتطور، ولكن كثرٌ قرروا التجريب قبل التمكّن من امتلاك الأدوات الأساسية، فلم تنجح كثير من التجارب، فكان الزائد مسيطرا أحيانا، أو المبالغة في التكثيف والاختصار في أحيان أخرى، ولكن مع منصورة عز الدين تستطيع أن تقرأ القصة «الحقّة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك