تُجري حماس انتخابات رئاسة مكتبها السياسي في ظل جدل حول أي مسار سوف تسلك الحركة: مسار خالد مشعل، الذي يميل إلى تقديم العمل السياسي والدبلوماسي على كلفة العمل العسكري وتحالفاته وتقييداته؟ أم مسار خليل الحية، وثيق الصلة بالقيادة العسكرية والميدانية في قطاع غزة، ويتشبث باستراتيجية العلاقة مع إيران و»محور المقاومة»؟هذا التنافس يجسد طبيعة التباين في تصورات النخبة القيادية في حماس لوظيفة الحركة المستقبلية: بين مقاربة تنظر إلى مركزية هوية حماس كحركة مقاومة ولا مساومة بهذا المبدأ، وغير ذلك من شأنه أن يُضعف الحركة ويُجرّدها من مبررات وجودها ومصادر شرعيتها، ومقاربة أخرى ليست بجديدة على النسق العام الذي سلكته الحركة في سنوات رئاسة خالد مشعل، الذي يتبنى نسقاً براغماتياً، للتكيف مع الظروف الجديدة التي أنتجها السابع من أكتوبر، وضرورات الحفاظ على وجود الحركة واستمراريتها.
لا يمكن اختزال انتخابات حماس في التنافس على المواقع القيادية، بقدر ما يمثل تحدياً أمام قدرة الحركة على الاستمرار كفاعل سياسي في ظل تنامي الجدل حول تحديد أهدافها ومصادر شرعيتهاكلتا المقاربتين تصطدمان بآفاق عمل ضيقة، محكومة بضغوط إقليمية ودولية، تسعى إلى إنهاء نفوذ حماس في قطاع غزة، الأمر الذي يجعل قدرة أي قيادة جديدة على إحداث اختراق في فرص الحركة محدودة للغاية، فضلاً عن أن لكل منهما انعكاسه الشديد على الحركة: فالتماهي مع البراغماتية في حدود مساحة واسعة من الضغط على الحركة، يتطلب الكثير من التنازلات منها، وأولها التخلي عن السلاح، ما قد ينتهي بالحركة إلى الانسلاخ عن هويتها التي تأسست عليها، وإلباسها ثوباً جديداً لم تتهيأ له.
فيما التشدد في نطاق هوية الحركة بوصفها حركة تحرر ترى في المقاومة المسلحة أداتها التي لا تساوم فيها، يعرضها إلى مزيد من الاستهداف ومزيد من فقدان الحاضنة الشعبية، التي لم تعد تتحمل مزيداً من كلف الدمار والتشرد والقتل.
لكن اختزال توجهات نخب حماس في هاتين المقاربتين لا يعكس بالضرورة صورة المشهد الداخلي كاملاً؛ فإخفاق الانتخابات في حسم نتائجها في الجولة الأولى، جراء ارتفاع نسبة الأوراق البيضاء، حسب تقارير صحافية يشير إلى حضور تيار ثالث (لا يبدو منظماً) لا يجد في أيّ من النهجين ما يلبّي تطلعاته، إن دلالة الامتناع عن انتخاب أي من المرشحين يعبر عن احتجاج مقصود مفاده، أن الأزمة التي تمر بها حماس أعمق من أن تُعالَج بالوجوه ذاتها، التي أسهمت في صنعها أو عجزت عن تفاديها، وأنهما لا يمثلان الإجابة الشافية عن أسئلة المرحلة في ظل ما آلت إليه أوضاع غزة من كارثة إنسانية وسياسية، وفي ظل ما آلت إليه أوضاع الحركة.
وما يزيد هذا الاحتجاج دلالة أنه صدر عن النخبة القيادية في حماس، التي يمثلها مجلس الشورى الذي يتشكل من 71 عضواً منتخباً، يناط بهم انتخاب رئيس للمكتب السياسي للحركة، إضافة إلى المناصب القيادية الأخرى، ما يعكس مستوى عدم الرضى داخل الجسم القيادي للحركة.
على هذه القاعدة من الواقع شديد الخطورة والتعقيد، وهذا التباين في الرؤى والتوجهات والسياسات داخل الحركة، تتعزز أزمة مركّبة داخل حماس، تتعلق بقدرة أي قيادة جديدة على التوفيق بين تياراتها وطابعها السياسي والعسكري، والمبدأ والمصلحة، في سياق إقليمي ومحلي ضاغط، وما يستلزمه ذلك من إعادة صياغة أولوياتها الاستراتيجية وإعادة تعريف أدوارها.
وهو ما يطرح تساؤلات أكبر أمامها: ما خيارات العمل المتاحة، وكيف يمكن أن تخرج الحركة من مأزقها البنيوي؟ إن فهم أزمة حماس يستلزم تجاوز قراءتها بوصفها صراعاً على النفوذ بين تيارات الحركة، إذ تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك: غموض الدور المستقبلي.
فحماس بعد السابع من أكتوبر فقدت السيطرة على قطاع غزة، أقوى معاقل حضورها وأكثرها رمزية، فيما لم تعد الظروف الموضوعية والذاتية تتيح لها العمل وفق النهج السابق، في ظل ما خلّفه هذا الخيار من تبعات إنسانية كارثية، وما أفرزه من تآكل ملموس في استعداد الحاضنة الشعبية لدفع المزيد من الثمن؛ فلا هي قادرة على استعادة دور السلطة الحاكمة في غزة، ولا هي مهيّأة لمواصلة دور المقاومة العسكرية بالتكلفة الباهظة التي دفعها المجتمع الغزي.
وبهذا المعنى، لا يمكن اختزال الانتخابات في التنافس على المواقع القيادية، بقدر ما يمثل تحدياً أمام قدرة الحركة على الاستمرار كفاعل سياسي في ظل تنامي الجدل حول تحديد وظيفتها وأهدافها ومصادر شرعيتها.
وبين هذين الخيارين المستنفدَين، تقف حماس أمام مصير لا مناص من مواجهته: كيف تُعيد تعريف نفسها في ضوء معادلة تغيّرت فيها كل المعطيات؟ إن جوهر المقاربتين يُترجم التباين بين النخب القيادية حول تعريف الأولويات والتصورات لمستقبل الحركة ودورها.
وبات مستقبل حماس رهين قدرتها على ابتكار مساحات عمل بديلة محكومة بمعادلة دقيقة: فالإفراط في البراغماتية قد يُفهم بأنه تخلّ عن مشروع الحركة التحرري، بينما التشدد الأيديولوجي قد يفاقم العزلة ويضاعف الكلفة الاستراتيجية.
لا يبدو أن نتائج الانتخابات سوف تكفل مراجعة نقدية للمسار السابق، ولا تضمن ردم الفجوة بين تيارات الحركة.
فهي تكشف عن صراع ضمني حول المستقبل أكثر من كونها تنافساً على المواقع.
ومع تصاعد الضغوط الميدانية والإقليمية، تجد الحركة نفسها أمام اختبار لقدرتها على الحفاظ على تماسكها وعدم الانزلاق نحو اختلال بنيوي.
فالخطر الذي تواجهه حماس أن تُفرز الانتخابات قيادة سياسية عاجزة عن ضبط الميدان، فتبرز مراكز قرار موازية خارج الهيكل الرسمي، ما يعمّق أزمتها بدل أن يفتح لها أفقاً لتجاوزها.
ويبقى السؤال رهن إجابة حماس عليه: هل تحتاج الحركة إلى قيادة جديدة بالمعنى الحرفي، أي قيادة تنظر إلى المرحلة القادمة بعيون مختلفة توازن بين المبدأ والمصلحة؟ وهل بات الخطاب التقليدي الذي تناوب عليه مشعل والحيّة عاجزاً عن استيعاب حجم التحولات التي فرضتها الحرب على الحركة وعلى المجتمع الغزي معاً؟أستاذ العلوم السياسيةفي جامعة القدس المفتوحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك