نحن أمام مرحلة ينتقل فيها الذكاء الاصطناعي من كونه ميزة تشغيلية إلى عنصر استراتيجي في بناء تنافسية المؤسسات الماليةما نشهده اليوم من استقرار وثقة في القطاع المالي يعكس قوة البيئة التنظيمية وتكامل الأدوار بين مختلف الجهاتالشراكات الدولية تفتح قنوات مباشرة لتبادل الخبرات وتعزيز المعايير المهنيةفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع المالي عالميًّا، وما تحمله هذه التحولات من تحديات وفرص جديدة للمؤسسات المصرفية في البحرين، تبرز أهمية وجود كيانات مؤسسية قادرة على توحيد الجهود وصياغة مواقف قطاعية متوازنة تواكب هذه المرحلة.
ومن هذا المنطلق، تواصل جمعية مصارف البحرين أداء دور محوري في دعم القطاع المصرفي البحريني، بوصفها منصة استراتيجية فاعلة تُسهم في صياغة حاضر ومستقبل القطاع المالي في المملكة.
البلاد” حاورت الرئيس التنفيذي لجمعية مصارف البحرين، الأستاذة زيبا مجيد عسكر، للحديث عن الجمعية ودورها في دعم القطاع المصرفي و المالي، وأبرز أولوياتها في المرحلة المقبلة، وجهودها في توسيع الشراكات المحلية والإقليمية والدولية، فضلًا عن قراءتها لمستقبل العمل المصرفي في ظل التحولات الرقمية وصعود الذكاء الاصطناعي.
وفيما يلي نص الحوار:كيف تقيمين دور جمعية مصارف البحرين اليوم في دعم القطاع المصرفي؟تأسست جمعية مصارف البحرين عام 1979، إلا أن دورها اليوم شهد تطورًا نوعيًّا يتماشى مع طبيعة التحولات التي يشهدها القطاع المالي.
فلم تعد الجمعية تقتصر على دورها التقليدي كجهة تمثيلية، بل أصبحت منصة استراتيجية فاعلة تعمل في صميم القطاع، وتسهم في دعم توجهاته والمشاركة في صياغة مساره المستقبلي.
يتميز القطاع المالي في مملكة البحرين بتنوع مؤسساته من حيث الحجم ونماذج الأعمال والتخصصات، بما في ذلك البنوك التجارية والإسلامية، والمؤسسات المالية المتخصصة، والمصارف الدولية.
وهذا التنوع يمثل أحد أبرز نقاط القوة، إلا أنه يتطلب في المقابل إطارًا مؤسسيًّا قادرًا على توحيد الرؤى وتمثيل القطاع بشكل متوازن ومهني أمام الجهات التنظيمية وصناع القرار.
وفي هذا السياق، توفر الجمعية قناة رسمية ومنظمة للحوار، حيث تعمل بالتنسيق والتشاور المستمر مع مصرف البحرين المركزي، مستندة إلى توجيهاته والإطار الإرشادي الذي يضعه للقطاع، ويشكل المصرف المركزي ركيزة أساسية في تعزيز مرونة القطاع المالي من خلال إطار رقابي وتنظيمي راسخ يدعم استقرار المؤسسات المالية ويرفع مستويات الجاهزية والانضباط التشغيلي.
ويضمن هذا التكامل بين الدور التنظيمي للمصرف المركزي والدور التنسيقي للجمعية صياغة مواقف قطاعية متوازنة، مبنية على رؤية مشتركة.
ومع تسارع التحولات التي يشهدها القطاع المالي عالميًّا، سواء في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأصول الرقمية، والعملات الرقمية للبنوك المركزية، أو على صعيد الأطر التشريعية، أصبحت الحاجة إلى منصة موحدة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فطبيعة هذه التحولات تتطلب استجابات منسقة على مستوى القطاع، وهو الدور الذي تضطلع به الجمعية من خلال تمكين التعاون المؤسسي.
عام 2025 كان عام «ترتيب الأولويات وتحقيق الإنجاز»، كما شهدت الجمعية تطورات على مستوى إعادة الهيكلة وتوسيع الشراكات، كيف تجلّى ذلك عمليًّا وانعكس على دور الجمعية؟جاء عام 2025 في سياق اتسم بتسارع التطورات التنظيمية والتكنولوجية، وتغير متطلبات الأسواق، وهو ما عزّز أهمية وجود منصة موحدة قادرة على تمثيل القطاع المالي بشكل متماسك وفعّال.
وفي هذا الإطار، شكّل العام محطة لإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الانسجام المؤسسي، والتركيز على التنفيذ وتحقيق نتائج ملموسة.
بالنسبة لـجمعية مصارف البحرين، تم ترجمة هذا التوجه من خلال ترسيخ الأسس التي يقوم عليها دورها كمنصة جامعة للقطاع، عبر وضوح أكبر في الدور، وتعزيز إطار الحوكمة، واعتماد نهج أكثر انضباطًا في إدارة الأولويات والتفاعل مع مختلف القضايا.
وقد شمل ذلك مراجعة التوجه الاستراتيجي وتنفيذ مجموعة من التحسينات الهيكلية، من أبرزها تطوير الفريق الإداري، وتحديث إطار الحوكمة، وإعادة تشكيل اللجان المتخصصة بما يتماشى مع أولويات القطاع.
كما أسهمت هذه الخطوات في بناء نموذج عمل أكثر تكاملًا، يعزز المساءلة، ويرفع كفاءة التنسيق، ويكرّس العمل المؤسسي القائم على اللجان كركيزة أساسية.
ويكتسب هذا النموذج ثقله من مجلس الإدارة الذي يضم نخبة من القيادات التنفيذية في المؤسسات المالية، إضافة إلى اللجان المتخصصة التي تغطي مختلف مجالات القطاع، من المخاطر والامتثال، إلى الرقمنة والابتكار والمصرفية الإسلامية والخزينة.
وقد أتاح هذا الإطار المؤسسي تجميع الخبرات من المؤسسات الأعضاء وتوظيفها بشكل منظم، حيث انضم أكثر من 140 من التنفيذيين والخبراء إلى أعمال اللجان، ما أسهم في تعزيز جودة المخرجات، وجعلها أكثر عمقًا وارتباطًا بواقع السوق، وبالتالي أكثر تأثيرًا ومصداقية في التفاعل مع الجهات المعنية.
وعلى صعيد الشراكات، تم توسيع نطاق التعاون الإقليمي والدولي من خلال بناء علاقات مع مؤسسات نظيرة والانخراط في منصات متخصصة، بما يدعم تبادل المعرفة ويعزز حضور القطاع المالي البحريني ضمن السياق العالمي.
ما أبرز أولويات الجمعية في المرحلة المقبلة؟تتمثل أولويتنا المحورية في ترسيخ دور جمعية مصارف البحرين كشريك استراتيجي فاعل يساهم في تطوير القطاع المالي في مملكة البحرين إلى التأثير العملي في السياسات والممارسات، ونعمل في هذا الإطار على تحويل الحوار المؤسسي إلى مخرجات قابلة للتنفيذ تُسهم في إحداث أثر ملموس ومستدام.
على المستوى التنظيمي، نركز على تعميق الحوار مع الجهات المعنية في عدد من الملفات الجوهرية، بما يعزز تطور الأطر التنظيمية ويواكب متطلبات المرحلة.
وعلى مستوى القطاع، نسعى إلى إطلاق مبادرات مشتركة تعزز التكامل بين المؤسسات المالية وتخلق قيمة مضافة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التنسيق الجماعي يتيح تحقيق نتائج أكثر كفاءة واستدامة مقارنة بالجهود الفردية.
أما على المستوى الوطني، فننظر إلى القطاع المالي كشريك رئيس في تحقيق مستهدفات التنمية الاقتصادية للمملكة، ونعمل على تعزيز هذه الشراكة من خلال إطار مؤسسي منظم، قائم على التنسيق الفعّال.
كيف ترون تطور المؤسسات المالية من الناحية التكنولوجية، ومدى جاهزيتها لمواكبة الذكاء الاصطناعي؟المؤسسات المصرفية والمالية في مملكة البحرين قطعت شوطًا كبيرًا في مسيرة التحول الرقمي، وأظهرت خلال السنوات الماضية قدرة واضحة على تبني التقنيات الحديثة وتطوير خدماتها بما يواكب تطور احتياجات العملاء والأطر التنظيمية، هذا التقدم يعكس بيئة تنظيمية داعمة، وكفاءات وطنية مؤهلة، إلى جانب التزام المؤسسات بالابتكار المستمر.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح اليوم أحد المحركات الرئيسة لتطوير القطاع، حيث تتجه المؤسسات المالية إلى توظيفه بشكل متزايد في مجالات متعددة تشمل تحسين تجربة العملاء، وتعزيز إدارة المخاطر، ورفع كفاءة العمليات التشغيلية.
ويمكن القول أننا أمام مرحلة انتقالية نوعية، حيث لم يعد التنافس قائمًا على تبني التكنولوجيا بحد ذاته، بل على القدرة على توظيفها بشكل استراتيجي لتحقيق قيمة مضافة مستدامة.
وفي هذا الإطار، تحرص جمعية مصارف البحرين على دعم هذا التوجه من خلال تعزيز تبادل المعرفة، ومناقشة أفضل الممارسات، والتنسيق المستمر مع الجهات التنظيمية، بما يواكب تطور الأطر التنظيمية المرتبطة بالتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي.
ونؤمن أن الجاهزية للذكاء الاصطناعي لا تُقاس فقط بالتقنيات، بل بالحوكمة، وإدارة المخاطر، وبناء القدرات البشرية القادرة على توظيف هذه الأدوات بشكل مسؤول وفعّال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك