عمان- في عالمٍ يتسارع فيه إيقاع الحياة، وتزداد فيه الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، أصبحت الصحة إجدى أكثر القضايا تعقيدًا التي تواجه الإنسان المعاصر، ولا سيما بعد سن الخمسين؛ وهي المرحلة التي تتقاطع فيها الخبرة الحياتية مع التحولات الجسدية والنفسية العميقة.
اضافة اعلانوفي هذه المرحلة العمرية، لا يعود السؤال الصحي مقتصرًا على كيفية علاج المرض، بل يتحول إلى تساؤل أكثر عمقًا: كيف نحافظ على جودة الحياة؟ وكيف نعيش سنوات أطول بصحة أفضل، وكرامة أكبر، ومعنى أعمق للحياة؟ هذه النقاط والتساؤلات يطرحها المؤلفان الدكتور أسامة راجخان والدكتور أيوب أبو دية في كتاب" صحتك بعد الخمسين نحو حياة أكثر سعادة".
صدر الكتاب حديثًا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في محاولة لتقديم رؤية صحية شمولية تتجاوز المفهوم التقليدي للرعاية الطبية، وتربط بين الإنسان وبيئته ونمط حياته وعلاقاته الاجتماعية والنفسية.
ويطرح الكتاب مجموعة من القضايا المرتبطة بالصحة في المراحل العمرية المتقدمة، مثل التغذية المتوازنة، والنشاط البدني، والصحة النفسية، والعلاقة بين الجينات والبيئة، إلى جانب تأثير التغيرات البيئية وأنماط الحياة الحديثة في جودة الحياة بعد التقاعد.
كما يسعى إلى تعزيز الوعي بأهمية الوقاية، وبناء ثقافة صحية جديدة تقوم على التوازن بين الجسد والعقل والروح.
وأكد المؤلفان أن مرحلة ما بعد الخمسين لا ينبغي النظر إليها باعتبارها بداية للتراجع الصحي، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، واستعادة التوازن، والانطلاق نحو حياة أكثر وعيًا وصحة وسعادة.
وضمت لجنة الاختصاصيين المشرفين على مراجعة الكتاب كلًّا من: الطبيب الجرّاح نادي شعبان، المتخصص في الجراحة والطب الوقائي، والدكتور عيسى أيوب أبو دية، اختصاصي علم المناعة، والأستاذ الدكتور معاوية حداد، أستاذ التغذية والتصنيع الغذائي، إلى جانب الدكتورة ربى مشربش، اختصاصية التغذية.
وقال المؤلفان في مقدمة الكتاب: " إن الإنسان ابتعد عن الطبيعة والعمل اليومي والغذاء الصحي، واعتمد نمط حياة تقليديًا مرتبطًا بالوظيفة والثورة الرقمية، في وقت باتت فيه الرعاية الصحية تركز على علاج الأعراض بالأدوية والجراحة بدلًا من العناية الشاملة القائمة على الوقاية".
وأكد المؤلفان أن العافية الحقيقية والمستدامة تتطلب منظورًا صحيًا متكاملًا يمتد" من المهد إلى اللحد"، بما يساهم في خفض نفقات العلاج، وإطالة عمر الإنسان، والعودة إلى الطبيعة، وإصلاح النظام الصحي بقيادة وزارات الصحة في العالم العربي.
وأشار المؤلفان، إلى أن هذا الكتاب يمثل محاولة للتمهيد لتحول فكري في النظرة الشاملة والممتدة للمرض والصحة.
فقد اعتادت الأنظمة الصحية الحديثة، وخصوصًا في العالم العربي، التركيز على الرعاية العلاجية بعد وقوع المرض، مع إهمال واضح للوقاية، ولنمط الحياة الصحي، وللعوامل البيئية المحيطة بالإنسان.
وأصبحت المستشفيات متقدمة في الجراحة والتقنيات الطبية، لكنها في المقابل عاجزة عن الحد من انتشار الأمراض المزمنة غير السارية التي تستنزف صحة الأفراد وموارد الدول، مثل أمراض القلب، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، واضطرابات الصحة النفسية.
ومع التقدم في العمر، تتضاعف آثار هذا الخلل، ليجد كثير من المتقاعدين أنفسهم في مواجهة أمراض كان بالإمكان الوقاية منها أو تأخير الإصابة بها لسنوات طويلة.
ولفت المؤلفان إلى أن فكرة كتاب" صحتك بعد الخمسين نحو حياة أكثر سعادة"، بوصفه محاولة علمية وإنسانية لإعادة صياغة مفهوم الصحة في هذه المرحلة العمرية، والانتقال به من نموذج علاجي ضيق إلى رؤية شمولية متكاملة، تضع الإنسان في قلب بيئته، وتربط بين الجسد والعقل والروح، وبين الفرد والمجتمع والطبيعة.
وينطلق الكتاب من قناعة أساسية مفادها" بأن الصحة ليست حدثًا طارئًا، ولا قدرًا وراثيًا لا يمكن تغييره، بل هي مسار تراكمي يتشكل عبر قرارات يومية صغيرة تتعلق بنمط الحياة، والنشاط البدني، والتغذية، والعلاقات الاجتماعية، وطريقة التعامل مع الضغوطات"، إضافة إلى البيئة المحيطة بالإنسان.
وأوضح الكتاب أنه بعد سن الخمسين، يصبح الإنسان أكثر وعيًا بتأثير هذه العوامل، وأكثر قدرة - إذا أحسن الاختيار- على توجيه حياته نحو العافية والجودة، بدلًا من الانحدار التدريجي نحو المرض.
يأتي هذا العمل في سياق عالمي يشهد تحولات كبرى، من أبرزها التغير المناخي المتسارع، والتلوث البيئي المتزايد، وارتفاع متوسط عمر الإنسان.
وتفرض هذه التحولات أسئلة جديدة حول مدى جاهزية الأنظمة الصحية والاجتماعية للتعامل مع الشيخوخة بوصفها، مرحلة عطاء وخبرة وحكمة، لا عبئًا صحيًا أو اقتصاديًا.
ومن هذا المنطلق، يركز الكتاب على مفهوم الصحة البيئية باعتبارها حجر الزاوية في جودة الحياة، مسلطًا الضوء على تأثير الهواء والماء والغذاء والمساحات الخضراء والضوضاء والتخطيط العمراني في صحة الإنسان الجسدية والنفسية، ولا سيما في المراحل العمرية المتقدمة.
ويتناول الكتاب أهمية النشاط البدني بعد التقاعد، ليس بوصفه ممارسة رياضية فحسب، بل باعتباره وسيلة لاستعادة التوازن النفسي، وتحسين جودة النوم، وتقوية جهاز المناعة، وبناء علاقات اجتماعية جديدة تعوّض الفراغ الذي قد يخلّفه ترك العمل.
كما يناقش دور التمدد العضلي (التمطّط)، واليوغا، والتنفس الواعي، وتقنيات الاسترخاء في مواجهة التوتر المزمن، الذي أصبح سمة من سمات العصر الحديث، وأحد الأسباب الخفية لتدهور الصحة بعد سن الخمسين.
ولا يغفل الكتاب جانب التغذية المتوازنة، إذ يسلط الضوء على التغيرات الأيضية التي ترافق التقدم في العمر، وعلى أهمية الغذاء الطبيعي بوصفه شريكًا أساسيًا في الوقاية من الأمراض المزمنة ودعم الصحة العقلية والنفسية.
كما يربط بين التغذية والبيئة، مبرزًا أثر أنماط الإنتاج الغذائي وجودة الموارد الطبيعية في صحة الفرد والمجتمع.
ومن القضايا الجوهرية التي يناقشها هذا الكتاب، مسألة العلاقة بين الجينات والبيئة: هل نحن أسرى ما ورثناه جينيًا، أم أن نمط حياتنا قادر على إعادة توجيه مصيرنا الصحي؟ ويقدّم الكتاب إجابات علمية متوازنة تستند إلى مفاهيم الوراثة فوق الجينية، موضحًا أن للإنسان دورًا فاعلًا في التأثير في طريقة عمل جيناته من خلال سلوكه وبيئته وخياراته اليومية.
كما يتطرق الكتاب إلى مفهوم جودة الحياة ومؤشرات السعادة بعد الخمسين، مؤكدًا أن الصحة الحقيقية لا تُقاس بالمؤشرات الطبية وحدها، بل أيضًا بالشعور بالرضى والانتماء، والقدرة على العطاء، واستمرار الإحساس بمعنى الحياة.
ولهذا يبرز دور العلاقات الاجتماعية، والسفر، والعمل التطوعي، ومساعدة الآخرين، وصلة الرحم، والإحسان، بوصفها عناصر أساسية في تعزيز الصحة النفسية والروحية.
إن هذا الكتاب لا يقدّم وصفات جاهزة أو حلولًا سحرية، بل يسعى إلى تمكين القارئ بالمعرفة والفهم، ليصبح شريكًا واعيًا في رحلته الصحية.
وهو موجّه لكل من تجاوز سن الخمسين، ولكل من يستعد لهذه المرحلة مبكرًا، أو لديه شخص عزيز تجاوز هذه السن، وكذلك لصنّاع القرار والمهتمين بالصحة العامة والبيئة، إيمانًا بأن بناء مجتمعات أكثر صحة يبدأ من بناء وعي فردي وجماعي جديد.
وخلص المؤلفان، إلى إن ما بعد الخمسين ليس بداية الانحدار، بل فرصة لإعادة التوازن، وتصحيح المسار، والعودة إلى الجذور الطبيعية للحياة.
وهذا الكتاب دعوة صادقة لاغتنام هذه الفرصة، والانتقال من مجرد إطالة العمر إلى تعميق فهمنا للحياة وغايتها، والاستمتاع بها بأفضل صورة ممكنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك