في الرياضة، قد تكسب مباراة بموهبة لاعب، وقد تحسم بطولة بخبرة نجم، لكن أن تحقق موسما كاملا بنسبة نجاح تبلغ 100 %، فهذا لا يمكن أن يكون وليد الصدفة أو نتاج لحظة عابرة.
ما فعله نادي “باربار” هذا الموسم في كرة اليد يستحق أن يُقرأ بوصفه نموذجا إداريا وفنيا متكاملا قبل أن يكون مجرد إنجاز رياضي.
بتتويجه بلقب دوري خالد بن حمد لكرة اليد، لم يضف “باربار” بطولة جديدة إلى خزائنه فحسب، بل وضع الخاتمة المثالية لموسم تاريخي غير مسبوق، نجح خلاله في حصد جميع بطولات اللعبة على مستوى الفئات السنية والفريق الأول، محققا العلامة الكاملة بـ 9 ألقاب من أصل 9 بطولات.
إنجاز يصعب تكراره ويؤكد أن ما يحدث في هذا النادي هو مشروع حقيقي قائم على أسس علمية ومدروسة.
من يتابع كرة اليد البحرينية خلال العقدين الماضيين يدرك أن اسم “باربار” ارتبط دائما بكأس التفوق، الجائزة التي تُمنح للنادي الأكثر حصدا للبطولات.
وعلى امتداد نحو عشرين عاما، ظل النادي منافسا دائما على هذه الجائزة أو متوجا بها في معظم المواسم؛ ما يؤكد أن النجاح لم يكن موسما استثنائيا أو طفرة مؤقتة، بل ثقافة عمل متجذرة داخل أروقة النادي.
السر الحقيقي لا يكمن في الفريق الأول فقط، بل في القاعدة.
هناك عمل طويل وصامت يجري منذ سنوات مع الفئات العمرية، يقوده أبناء النادي أنفسهم من اللاعبين السابقين الذين تحولوا إلى مدربين ومربين وصناع أجيال.
أسماء مثل حسام مدن، وجعفر عبدالقادر، وجعفر عباس، وغيرهم من الكفاءات الوطنية التي اختارت أن تواصل العطاء من داخل الملعب وخارجه، مستفيدة من تأهيلها العلمي وخبراتها، ومن مخرجات الأكاديمية الأولمبية البحرينية التي أسهمت في إعداد كوادر تدريبية تمتلك أدوات العمل الحديث.
الأجمل في هذه القصة أن كل ذلك تحقق على رغم الظروف المادية الصعبة التي يعانيها النادي.
لم تكن هناك ميزانيات ضخمة أو صفقات استثنائية أو إغراءات مالية كبيرة.
كان هناك إيمان بالمشروع، وإصرار على الاستثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر.
ولذلك لم يكن غريبا أن نشاهد فريقا متوسط أعمار لاعبيه 20 عاما أو أقل، يلعب مباريات الأدوار النهائية بثقة فريق مخضرم اعتاد على منصات التتويج.
هذا الفريق الشاب تجاوز “النجمة” في نصف النهائي، ثم أسقط “الأهلي” في النهائي، وقدم شخصية البطل في أصعب المواعيد.
لم يكن خائفا من الضغوط، ولم يتأثر بأجواء النهائيات، وكأنه يحمل خبرة سنوات طويلة.
والحقيقة أن هذه الخبرة لم تأتِ من العمر، بل من بيئة عمل صنعت اللاعب خطوة بخطوة منذ المراحل السنية الأولى.
ما قدمه “باربار” هذا الموسم رسالة مهمة لكل الأندية الرياضية.
فالمال عنصر مهم بلا شك، لكنه ليس الضمانة الوحيدة للنجاح.
البطولات لا تُشترى دائما، بل تُبنى.
تُبنى بالتخطيط، والاستقرار، والاهتمام بالفئات السنية، وتأهيل الكوادر الوطنية، ومنح أبناء النادي الثقة والمساحة للعمل والإبداع.
ولهذا فإن بطولة الدوري الأخيرة لا يجب أن تُقرأ باعتبارها كأسا جديدة أضيفت إلى سجل “باربار”، بل باعتبارها شهادة نجاح لمشروع استمر سنوات طويلة، وصبر عليه رجال آمنوا بالفكرة قبل النتائج.
وعندما جاءت لحظة الحصاد، كان المشهد واضحا للجميع: ليس هناك ما يسمى بالصدفة في الرياضة، بل هناك عمل يختبئ خلف الإنجازات.
وإذا كان موسم 2025 - 2026 سيُحفظ في ذاكرة كرة اليد البحرينية، فإن “باربار” يستحق أن يُذكر فيه بوصفه نموذجا يؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من القاعدة، وأن المشروع عندما يكون صحيحا، فإن البطولات تأتي تباعا مهما كانت التحديات.
*مشرف فريق الرياضة بصحيفة “البلاد”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك