في مثل هذا اليوم من عام 852 ميلادية، شهدت دولة الأغالبة في شمال أفريقيا تحولًا سياسيًا كبيرًا بمولد الأمير إبراهيم بن أحمد الأغلبي، الذي تولى مقاليد الإمارة ليصبح تاسع ملوك هذه السلالة العريقة التي حكمت من القيروان، إذ جمعت شخصية الأمير إبراهيم بين عبقرية الإدارة والنهضة العمرانية والعسكرية من جهة، تاركًا وراءه إرثًا سياسيًا حافلًا بالتحولات التي أعادت تشكيل خارطة حوض البحر الأبيض المتوسط.
كيف نشأ ابراهيم بن أحمد وتولى السلطة؟تأسست ملامح شخصية إبراهيم بن أحمد الأغلبي داخل بيت الحكم والعصبية لآل الأغلب، حيث نشأ في بيئة تموج بالصراعات العسكرية والسياسية، وتلقى تعليمًا صارمًا أهله للقيادة الإدارية والميدانية؛ وقبل صعوده للعرش أثبت كفاءة حذرية كوالي على منطقة تونس، حيث نجح في ضبط الأمن وإدارة شؤونها بحزم.
ومع وفاة شقيقه الأمير محمد بن أحمد، انفتحت أمامه أبواب القصر في القيروان ليتولى الإمارة رسميًا وسط تأييد من كبار رجال الدولة والجيش؛ وبمجرد جلوسه على سدة الحكم، أدرك أن استقرار عرشه يتطلب تقليص نفوذ طبقة الجند العرب الثائرين، فبدأ في بناء جيش مخلص له من الصقالبة ليكون درعه في مواجهة المؤامرات الداخلية.
علاقته بمصر، روابط تجارية وأمنية تحت مظلة الخلافة العباسيةاتسمت علاقة إبراهيم بن أحمد الأغلبي بمصر بطبيعة إستراتيجية واقتصادية فرضتها الجغرافيا والولاء المشترك للخلافة العباسية في بغداد؛ فخلال عهده، كانت مصر تعيش تحت حكم الدولة الطولونية بقيادة أحمد بن طولون، ورغم التنافس الصامت بين الإمارتين الطموحتين، إلا أن الأغالبة حرصوا على تأمين حدودهم الشرقية وضمان سلامة طرق التجارة وقوافل الحجيج المارة عبر مصر.
وشهدت هذه الحقبة تنسيقًا غير مباشر في ضبط أمن البحر المتوسط ومواجهة التحركات البيزنطية، حيث اعتبر الأغالبة أن استقرار الأوضاع في الإسكندرية وسواحل مصر يمثل ظهيرًا أمنيًا واقتصاديًا حيويًا يدعم مشروعهم العسكري الكبير في فتح صقلية وجنوب إيطاليا.
فتوحات صقلية، العصر الذهبي للعمران والجهادترتب على السياسة الحازمة للأمير إبراهيم إطلاق نهضة عمرانية وعسكرية عملاقة غيرت وجه إفريقية؛ إذ شهد عهده استكمال السيادة الإسلامية على جزيرة صقلية وسقوط حصونها المنيعة مثل سرقوسة، وتحولت الأساطيل الأغلبية إلى القوة الضاربة الأولى في البحر المتوسط التي هددت سواحل إيطاليا ووصلت إلى أسوار روما.
وفي الداخل وضمن رغبته في الابتعاد عن اضطرابات القيروان، أسس إبراهيم بن أحمد مدينة الرقادة الأسطورية لتكون عاصمته الجديدة، وزينها بالقصور والمتنزهات والمساجد والمصانع، ليتكامل في عهده الازدهار الثقافي والاقتصادي مع القوة العسكرية، وتتحول إمارته إلى منارة علمية وقبلة لطلبة العلم من مختلف الأقطار.
كواليس العزل والموت في ميدان الحربمع تزايد شكاوى أهل إفريقية من قسوته المفرطة وبطشه بالفقهاء والأعيان، تدخل الخليفة العباسي المعتضد بالله وأصدر أمرًا بعزله عام 902 ميلادية.
انصاع إبراهيم الأغلبي للقرار بذكاء، وأعلن توبته والتنازل عن العرش لابنه، وتحول إلى مجاهد يقود الجيوش بنفسه لاستكمال فتح ما تبقى من حصون جنوب إيطاليا.
وفي غمرة معاركه وحصاره لمدينة كوسنسا الإيطالية، أصيب بمرض الدوسنتاريا العضال الذي أنهك جسده، ليموت في خيمته وسط جنوده في أكتوبر من عام 902، وتطوى بوفاته صفحة حاكم بنى مجدًا بالمرمر والسيوف، ومات مرتديًا ثياب المحاربين بعيدًا عن قصر الرقادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك