مزيج من الاضطراب والغموض الميدانى والسياسى، يحيط بمصير المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وللمرة العاشرة تقريبا وربما أكثر يعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عدم رضاه عن اتفاق سبق وأعلن قرب التوصل له، حيث تتوازى مساعى إبرام اتفاق تهدئة مع جولة جديدة من القصف المتبادل وإعلان إيران تجميد المفاوضات مؤقتا.
وقد شنت القيادة المركزية الأمريكية غارات استهدفت مواقع رادارات ومنصات مسيرات تابعة للحرس الثورى فى جزيرة قشم ومدينة جورك الإيرانية، ردا على إسقاط مسيرة أمريكية فوق المياه الدولية، كما أعلن الحرس الثورى استهداف قاعدة عسكرية أمريكية فى منطقة الخليج، وأطلقوا صاروخين باليستيين جرى اعتراضهما فوق القوات الأمريكية فى الكويت.
فى حين أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائى، أن التركيز الحالى ينصب على إنهاء الحرب وليس على الملف النووى، مشيرا إلى تقارب فى بعض النقاط بينما لا تثق طهران بالعهود الأمريكية، واعتبر مطالب ترامب الأخيرة «غير معقولة»، حيث صرح الرئيس الأمريكى بأن المحادثات مستمرة بوتيرة متسارعة وأنه يتوقع إمكانية الوصول لاتفاق قريبا، مشيرا إلى أنه لم يُبلغ مسبقا بقرار إيران تعليق الرسائل، وفى الوقت ذاته تسعى واشنطن لفرض تعديلات على مسودة الاتفاق المبدئى المتداولة المكونة من 14 بندا، وتشمل فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية فورا دون رسوم عبور إيرانية، وإزالة كل الألغام البحرية فى الممر المائى خلال 30 يوما، وتقديم ضمانات حاسمة بشأن تفكيك مخزون اليورانيوم المخصب، فى المقابل تطالب إيران برفع كامل للحصار البحرى عن موانئها، والسماح لها ببيع النفط بحرية، وتقديم ضمانات أمنية تمنع أى هجمات إسرائيلية أو أمريكية مستقبلية، وتحرير الأرصدة المحجوزة.
اللافت أن ترامب يقول إن أمريكا ليست متعجلة وأنها تتقدم ببطء، فيما يبدو أن ترامب اكتشف الطريقة الإيرانية التى تسعى لإبطاء التفاوض، لكن هذا البطء يصيب أوروبا بالقلق من استمرار تأثيرات إغلاق مضيق هرمز على الملاحة، وفى تحول لافت منحت القوى الأوروبية الكبرى، بقيادة فرنسا وبريطانيا، الولايات المتحدة وإيران مهلة أخيرة للتوصل إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز، وهددت بأنها ستدخل بقوة عسكرية موحدة تضم أكثر من 40 دولة إذا استمر تعطيل الملاحة فى هذا الممر الحيوى.
يأتى هذا الإنذار فى وقت تواجه فيه أوروبا والعالم أزمة طاقة خانقة، ومخاوف من مواجهة شتاء كارثى إذا لم يفتح المضيق قبل حلول موسم البرد.
وحسب تقرير الزميلة فاطمة شوقى فى «اليوم السابع»، قالت مصادر دبلوماسية وعسكرية، إنه فى حال عدم الاستجابة، ستبدأ القوة العسكرية الموحدة تمشيط المضيق من الألغام البحرية، باستخدام سفن متخصصة من ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا، وتأمين الملاحة للقوارب التجارية عبر دوريات بحرية وجوية مستمرة، وتوفير غطاء جوى باستخدام طائرات حربية مثل «يوروفايتر تايفون» البريطانية وطائرات الإنذار المبكر الأسترالية، ونشرت فرنسا حاملة الطائرات النووية «شارل ديجول» فى شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر، مصحوبة بعدد من الفرقاطات والطائرات المقاتلة، جاهزة لإعادة توجيهها نحو مضيق هرمز، وأرسلت بريطانيا المدمرة الحربية «HMS Dragon» المزودة بنظام الدفاع الجوى المتقدم، بالإضافة إلى طائرات «يوروفايتر تايفون» وطائرات دون طيار مضادة للطائرات المسيرة، كما ستستخدم نظام «Beehive» الذى يطلق زوارق «كراكن» دون قبطان بسرعة عالية لتحديد التهديدات وتدميرها، وأعلنت ألمانيا استعدادها للمشاركة بسفينتين من نوع «فولدا» و«موزيل» لكسح الألغام، بعد موافقة البرلمان، وستساهم إيطاليا بسفينتين ودعم لوجستى، وتقدم أستراليا طائرة إنذار مبكر لتتبع الأهداف البحرية والجوية فى وقت واحد.
وأكدت مصادر أن أكثر من 40 دولة أعربت عن التزامها بالمهمة العسكرية المتعددة الجنسيات، بما فى ذلك دول من آسيا والشرق الأوسط، وهو ما يرفضه الرئيس ترامب ويصف حلفاء الناتو بأنهم «غير مفيدين»، بينما ترفض إيران أى وجود عسكرى أجنبى فى المضيق، ويحذر نائب وزير الخارجية الإيرانى من أن نشر السفن الأوروبية سيواجه ردا حاسما وفوريا.
والواقع أن الدخول الأوروبى على خط أزمة مضيق هرمز يمثل تحولا جذريا وفارقا فى طبيعة العلاقات الأوروبية الإيرانية، وتخسر إيران موقف أوروبا المنفتح دبلوماسيا مع طهران، خاصة جبهة الرئيس بزشكيان، والتى تتحرك مدفوعة بمخاوف أمن الطاقة، وترى فى إيران مهددا مباشرا وشريكا فى صناعة أزمات الطاقة العالمية.
فى المقابل فإن الانقسام فى القرار الإيرانى يظهر بشكل كبير، وتضارب فى صناعة القرار بشكل واضح، بين الرئيس مسعود بزشكيان الذى يمثل التيار الإصلاحى/البرجماتى، وبين الحرس الثورى الإيرانى والتيار المتشدد، الذى يهيمن على البرلمان والعديد من مؤسسات الدولة العميقة، وهو انقسام اتخذ أبعادا أكثر حدة وعمقا فى ملفات حيوية وحساسة فى طبيعة إدارة الأزمة والخوف من تعقد الأمور، بجانب ازدياد الأزمة الاقتصادية من جراء الحصار والخوف من الصدام مع أوروبا بشكل قد يفوق ما تم مع الولايات المتحدة، ما يضاعف من أزمات إيران ويطيل أمد الحصار الأمريكى أو يقود لحرب أكثر شمولا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك