لا تبدأ الحروب دائماً بصوت المدافع، ولا تنتهي بتوقيع المعاهدات.
أحياناً تكتب فصولها الأشد قسوة في مكان آخر تماماً.
على شاشات أسعار الصرف، وفي جيوب المواطنين، حيث تفقد النقود معناها قبل أن تفقد قيمتها.
بين ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإيران الغارقة في صراعات الشرق الأوسط والعقوبات، تتكرر القصة نفسها، ولكن بنسختين مختلفتين تماماً من الألم الاقتصادي.
في عشرينيات القرن الماضي، لم يكن الألمان يشاهدون التضخم، بل كانوا يعيشونه حرفياً في كل دقيقة.
بدأت القصة بأرقام تبدو عادية: دولار واحد مقابل 4 ماركات.
ثم تسارعت الأحداث بشكل يكاد يكون خيالياً.
خلال سنوات قليلة، لم يعد الحديث عن ارتفاع الأسعار كافياً لوصف ما يحدث.
صار المارك ينهار أسرع من قدرة الناس على العد.
من 4 ماركات للدولار إلى آلاف، ثم ملايين، ثم مليارات، حتى وصل إلى تريليونات الماركات مقابل دولار واحد.
في تلك اللحظة، لم يعد السؤال: كم ارتفع السعر؟ بل أصبح: هل للنقود أي قيمة أصلاً؟كانت الأجور تدفع مرتين يومياً، ليس كرماً من أصحاب العمل، بل لأن قيمتها كانت تتآكل خلال ساعات.
تبخرت المدخرات، واختفت الطبقة الوسطى وأصبح حمل حقيبة مليئة بالنقود لا يكفي لشراء رغيف خبز.
في طهران، لا يحمل الناس حقائب مليئة بالنقود لشراء الخبز، لكنهم يدفعون الثمن نفسه بطريقة أخرى، عبر تآكل بطيء ومستمر في قيمة الريال.
ومع أن القصة هنا أقل درامية، لكنها أكثر امتداداً.
خاصةً بعدما كشف البنك المركزي الإيراني، أن معدلات التضخم السنوي في إيران سجلت مستوى في مايو الماضي لم تشهده البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، مما يبرز الألم الاقتصادي الذي يواجهه المواطن العادي في الشارع الإيراني، مع شعور الجمهورية الإسلامية بالقلق من استئناف الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وشكل تقرير صدر عن البنك المركزي الإيراني أمس الاثنين أول اعتراف رسمي بما يعانيه بالفعل المواطنون الإيرانيون الذين يتسوقون أو يدفعون قيمة استخدام سيارات الأجرة أو يزورون العيادات الطبية، حيث تعرض الريال الإيراني لضربة قوية بسبب الحرب وحالة الغموض حول احتمال استئنافها، وفق وكالة" أسوشيتد برس".
على مدار نحو 15 عاماً تراجع الريال من نحو 10 آلاف مقابل الدولار، إلى ما يقارب 1.
4 مليون ريال للدولار.
الانخفاض لم يكن لحظياً كما حدث في ألمانيا، لكنه عميق بما يكفي ليغير شكل الحياة اليومية، حيث اقترب التضخم من 50% إلى 70% سنوياً، وأسعار الغذاء تقفز أحياناً بأكثر من 100%.
فقدت العملة جزءاً كبيراً من قيمتها في كل أزمة سياسية أو تصعيد عسكري.
في ألمانيا، اختفى المارك فجأة، كما لو أنه لم يكن موجوداً.
وفي إيران، لا يختفي الريال لكنه يتراجع كل يوم، ببطء موجع، كأن الزمن نفسه صار يقاس بتآكله.
اليوم، ومع صدور بيانات جديدة من البنك المركزي الإيراني، تعود المقارنة لتفرض نفسها، فهل نحن أمام نسخة حديثة من كوارث التضخم التي عرفها العالم في حروبه الكبرى؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك