في اليوم الذي انطلقت فيه نهائيات كأس العالم 1994 في أميركا، وبينما كان جاك تشارلتون يحاول توجيه تعليماته في ملعب" جاينتس" قبل مواجهة إيرلندا وإيطاليا في اليوم التالي، لم يتمكن بعض لاعبيه من التوقف عن التطلع إلى الأعلى.
وقال آندي تاونسند" كانت عيناي في كل مكان".
كان الملعب الذي شيد في الموقع الذي يحتضن اليوم ملعب" ميتلايف"، والذي سيعرف هذا الصيف باسم" ملعب نيويورك نيوجيرسي"، مختلفاً عن ملاعب كرة القدم الأوروبية، لكن ذلك جعل حجمه أكثر إدهاشاً.
لم تكن تلك كأس العالم كما اعتادوا عليها تماماً، لكنها كانت مميزة.
وبينما كان تاونسند وزملاؤه يرفعون أنظارهم، بدا المشهد أكثر روعة مع امتداده نحو سماء زرقاء صافية.
وهذا ما بقي عالقاً في الذاكرة عن مونديال أميركا 1994.
فمن خلال جميع الصور التاريخية، من لمسة روماريو الخاطفة إلى جرأة غورغي هاجي وإهدار روبرتو باجيو ركلة الجزاء في النهائي، كان كل شيء مشرقاً بصورة لافتة.
وبفعل متطلبات البث التلفزيوني العالمي، أُقيمت المباريات في حرارة النهار كما حدث في نسخ كأس العالم بالمكسيك، لكن بفضل تقنيات البث الأكثر تطوراً آنذاك، جرى التقاط الألوان بوضوح أكبر.
وكانت تلك الصورة المستقبلية مناسبة لبطولة قامت فكرتها أساساً على الاتساع والطموح.
ففي ذلك الوقت، بدا تنظيم كأس العالم في أميركا بمثابة قمة الإنجاز، خصوصاً بالنظر إلى مكانة البلاد في ثقافة الترفيه.
لذا كان كل شيء يبدو متألقاً.
وإذا بدا القول إن ذلك السطوع عكس إضاءة كرة القدم لعالم جديد عبارة مستهلكة، فإن هذا ما حدث بالفعل.
قد تبدو أجواء نسخة 2026 مختلفة تماماً، وصولاً إلى الظلال السياسية الأكثر قتامة، لكن أياً من ذلك لم يكن ليصبح ممكناً لولا نسخة 1994.
وحجم التغيير كان مذهلاً.
كرة القدم في أميركا قبل الانفجار الجماهيريقد يكون اللاعبون الإيرلنديون انبهروا بملعب" جاينتس" لكن خارج الملعب، وكما وصف تاونسند، لم يكن هناك" أي ضجيج أو حماسة أو شعور بترقب في الشوارع".
ولم تكن أميركا تمتلك حتى دوري كرة قدم وطني.
ولم يكن هناك مالك أميركي واحد في كرة القدم الأوروبية، وحتى في 1999 أثار مالك نادي تشستر سيتي، تيري سميث، قدراً من الاستغراب.
وخلال المباراة الافتتاحية التي فازت فيها ألمانيا على بوليفيا بنتيجة (1 - 0)، قاطعت نشرات إخبارية التغطية للحديث عن مطاردة أو جيه سيمبسون الشهيرة بسيارته" وايت برونكو".
واعترف عدد من اللاعبين المشاركين بأنهم كانوا مشدودين لمتابعة تلك الأحداث أيضاً، إذ خففت من ملل الحقبة السابقة لانتشار الإنترنت.
وفي فواصل تلفزيونية أخرى، كان بعض الأميركيين يتساءلون عما إذا كانت كأس العالم" نوعاً من العنف".
وذهبت إحدى المقالات في صحيفة" يو إس إيه توداي" إلى القول إن" كراهية كرة القدم أمر أميركي أكثر من فطيرة التفاح المنزلية، أو قيادة شاحنة صغيرة، أو تمضية عصر السبت في التنقل بين القنوات باستخدام جهاز التحكم".
وكان هناك توتر لدى الجانبين في شأن ما قد يحدث فعلاً إذا بدأت البلاد في أخذ كرة القدم على محمل الجد، سواء بالنسبة إلى اللعبة نفسها أو للرياضات الأميركية الأخرى.
وقد انعكس هذا التوتر في نقاشات أوسع داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم" فيفا".
فخلال حملات استضافة أميركا في ثمانينيات القرن الماضي، سخر رئيس الاتحاد الأوروبي للعبة" يويفا" آنذاك الإيطالي أرتيميو فرانكي من فكرة" كأس عالم للشركات المتعددة الجنسيات" ومن المسار التجاري الذي كانت تسلكه كرة القدم.
أما الآن فلا توجد أي شكوك معلنة.
و" فيفا" منخرط في الأمر بالكامل، وستمتلئ الشوارع بإعلانات كأس العالم.
لم تعد كرة القدم بحاجة إلى تسويق نفسها لأميركا، بل إن أميركا باتت تقدم للعبة فرصة اندفاع جديدة نحو الذهب.
آلان روثنبرغ وصناعة الحدث التاريخيويرجع جزء كبير من ذلك إلى مونديال 1994، وكثير منه إلى مهندس المشروع آلان روثنبرغ.
فالمحامي السابق تمكن من تحقيق هذه" القفزة الكبرى"، وهو أيضاً عنوان كتابه، عبر تقبل حقيقة ما كانت تمثله كأس العالم في أميركا آنذاك: فضولاً هامشياً.
وقال روثنبرغ لصحيفة" اندبندنت"، " في 1994 كنا نبدأ من الصفر.
لم أكن متأكداً إلى أي مدى سيتقبل الأميركيون اللعبة.
لكن ما كنا نعرفه هو أن الأميركيين يحبون الأحداث الكبرى، لذلك قررنا أن نجعلها حدثاً ضخماً".
وهكذا روج روثنبرغ للبطولة، بالمعنى الحرفي للكلمة.
فبعد نجاحه في الضغط لاعتماد أكبر الملاعب بينما كان" فيفا" يفضل ملاعب أصغر، نظم مؤتمرات صحافية في كل مدينة على طريقة نزالات الملاكمة ليعلن نفاد حصة معينة من التذاكر.
وقال" مجرد دعاية تقليدية جيدة.
وفي ما يتعلق بالتذاكر، قدمنا شيئاً جديداً".
وكان لذلك أيضاً أثر طويل الأمد في" فيفا".
فبعض الأفكار كانت إيجابية، إذ جرى تقديم تذاكر عائلية وحزم خاصة بكل ملعب، إلى جانب حزم تتيح متابعة منتخب معين طوال البطولة.
وكان بعضها الآخر أكثر إثارة للجدل، إذ شهد ذلك المونديال ولادة مفهوم باقات الضيافة تقريباً.
فقد ابتكر روثنبرغ فكرة جمع عناصر مختلفة ضمن باقة واحدة مع تذكرة المباراة.
ومن اللافت التفكير اليوم في أن" فيفا" لم يكن يسمح لفريقه حتى بالإعلان عن هذه التذاكر، وأصر على إبقاء معظم الأسعار منخفضة.
وقال روثنبرغ" استعنا بمزيد من المشاهير والمغنين ونجوم السينما لجعل الحدث أكبر".
وعلى رغم حديثه بحماسة عن مشاركة باري مانيلو وفاي دوناواي وديك كلارك، فإن لحظة المشاهير الوحيدة التي يتذكرها معظم العالم كانت ظهور ديانا روس في حفل الافتتاح.
إذ بدأ مونديال أميركا 1994 كما انتهى: بركلة جزاء مهدرة.
وعندما فشلت الرقصة الاستعراضية المعقدة التي كانت ستتوج بهدف رمزي في حفل الافتتاح، قال روثنبرغ إنه لم يستطع سوى الضحك.
وأضاف" أصبحت جزءاً من أساطير البطولة".
أرقام قياسية وقصص صنعت تاريخ المونديالوقد حققت هذه الجهود نجاحاً هائلاً.
ولا يزال مونديال أميركا 1994 يحتفظ برقم قياسي لأعلى معدل حضور جماهيري في تاريخ كأس العالم، بمتوسط 68991 متفرجاً في المباراة الواحدة.
وشهدت تلك الجماهير مهرجاناً من كرة القدم الهجومية، مع عدد كبير من اللحظات التي دخلت تاريخ اللعبة.
وانسجاماً مع طابع الاستعراض، امتلأت البطولة بالقصص، من تتويج البرازيل الأول منذ 24 عاماً، وسقوط باجيو ثم نهوضه ثم سقوطه مجدداً، إلى النجاح المفاجئ لمنتخبي رومانيا وبلغاريا الخارجين من المعسكر الشيوعي، فضلاً عن فضيحة دييغو مارادونا.
وعلى الجانب المظلم، شهدت البطولة انحدار كولومبيا نحو المأساة مع مقتل أندريس إسكوبار.
وفي الواقع كان المنتخب المستضيف هو من أطلق شرارة ذلك المسار بعد فوزه على كولومبيا بنتيجة (2 - 1)، بينما تمثل الوجه الآخر للقصة في احتضان الأميركيين لمنتخبهم الصاعد.
حتى الشباك الضخمة المنتفخة، التي كانت زواياها ترتفع في الهواء عندما يطلق غابرييل باتيستوتا أو دانيال أموكاتشي تسديدة قوية، أضفت إحساساً خاصاً على البطولة.
لقد أشعلت حرارة صيف 1994 شيئاً جديداً.
وقال روثنبرغ" البطولة سرعت نمو كرة القدم بصورة هائلة".
كيف أصبحت أميركا قوة مؤثرة في اقتصاد اللعبة؟وبحلول 1996 انطلق دوري" ميجور ليغ سوكر"، ثم واصلت كأس العالم للسيدات في 1999 الزخم المتصاعد.
وكان" فيفا" قد تبنى حينها كثيراً من أفكار التذاكر، بل ذهب بها إلى مدى أبعد.
وقد أصبحت استراتيجية بيع التذاكر لدى" فيفا" مختلفة تماماً قبل مونديال 2026.
وفي الأثناء كان كثير من رجال الأعمال الأميركيين يتابعون من مقاعد الضيافة، ويرون شيئاً فريداً على المستوى العالمي.
وقال روثنبرغ" فتح المستثمرون أعينهم.
أتذكر أن روبرت كرافت كان مهتماً للغاية بالجانب الدولي".
وأضاف" وفي ما يتعلق بعائلة غليزر، كنا قد تحدثنا إليهم في شأن الاستثمار في الدوري الأميركي.
نظروا إلى الأمر ثم قالوا" أتعلمون ماذا؟ لنشتر مانشستر يونايتد بدلاً من ذلك".
وقد أسهم الصعود المتزامن للإنترنت في زيادة الاهتمام.
فلم يعد الجمهور الأميركي مضطراً إلى التوجه للحانات في ساعات مبكرة لمتابعة كرة القدم، بل أصبحت المباريات متاحة أمام الجميع باستمرار.
ويشير الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة" هاودن ري" ونائب رئيس" وان فوتبول" إليوت ريتشاردسون، الذي يمتلك خبرة واسعة في قطاع كرة القدم الدولي، إلى أن ما بين 15 و25 مليون أميركي يشاهدون صورة من صور كرة القدم أسبوعياً، ومعظمهم يتابعون الدوري الإنجليزي الممتاز والدوري المكسيكي.
ويقول ريتشاردسون" انتقلت كرة القدم من رياضة هامشية في 1994 إلى رياضة أميركية رئيسة بحلول منتصف عشرينيات القرن الحالي".
وهناك الآن مؤشرات تفيد بأنها أصبحت رابع أكثر الرياضات شعبية في أميركا، متقدمة على البيسبول.
وفي المقابل، اندفعت الملكية الأميركية بقوة إلى كرة القدم الأوروبية.
وباتت عائلة غليزر واحدة من بين 11 جهة أميركية تملك أندية في الدوري الإنجليزي الممتاز وحده.
ووصل الأمر إلى حد أنه عندما انتهت مباراة بورنموث ومانشستر سيتي بالتعادل بنتيجة (1 - 1) قبيل اجتماع لرابطة الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية (أن أف أل) في نهاية الموسم، سارع كثير من الملاك إلى التوجه نحو نظيرهم في لوس أنجليس رامز.
وكان ذلك بالطبع هو ستان كرونكي، مالك أرسنال أيضاً، الذي كان قد أتاح لميكيل أرتيتا قيادة" المدفعجية" إلى أول لقب في الدوري الإنجليزي الممتاز منذ 22 عاماً، ولذلك كان يتلقى التهاني من بقية ملاك أندية الدوري الحاضرين في القاعة.
الكثير من هذا كان يصعب تصوره في 1994، لكنه ما كان ليحدث من دون تلك البطولة.
وقال روثنبرغ" لم نعد عند نقطة الصفر".
ثم أشار إلى مفوض الدوري الأميركي السابق قائلاً" دون غاربر محق تماماً.
لقد أصبحنا الآن الصراف الآلي لكرة القدم في العالم".
" المشكلة الحقيقية هي ما إذا كنا سنصل إلى حد التشبع، وهي مشكلة لم يكن أحد ليتخيل وجودها قبل 30 عاماً".
لكن هذا الواقع أوجد مشكلات أخرى أيضاً.
فالمنتخب الأميركي لا يحقق النتائج المنتظرة بسبب الحجم الهائل للبلاد، إضافة إلى ثقافات تدريبية لا تنسجم مع متطلبات كرة القدم النخبوية.
وكما هي الحال في دول كثيرة أخرى، فإن الاهتمام بكرة القدم يتمثل أساساً في متابعة الدوري الإنجليزي الممتاز وغيره من المسابقات الأجنبية الكبرى.
فمعظم الأموال تخرج من البلاد بدلاً من أن تدخل إليها.
وأميركا لم تصل بعد إلى مرحلة التعامل مع اللعبة بالجدية التي يمكن أن تبلغها.
وربما تكون تلك هي الخطوة التالية بعد ذلك.
فالنموذج التجاري الأميركي يجري فرضه بالفعل على اللعبة، بينما يتطلع المالكون بشدة إلى تكرار سابقة التذاكر التي شهدها هذا المونديال.
وأينما اتجهت أنظارك، ستكون كرة القدم حاضرة في كل مكان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك