كان محمود عبدالعزيز صاحب قدرة هائلة على خطف الأنظار إليه، لم يكن مجرد فنان منحه الله موهبة التمثيل وحسب، بل امتلك «كاريزما» تجعلك لا تولى نظرك إلا نحوه، أحبته الكاميرا واحتضنه الجمهور، وجعلت منه واحداً من أبرز نجوم السينما، تتزين الأفيشات والتيترات باسمه اللامع.
اليوم 4 يونيو تمر الذكرى الثمانون على ميلاد ابن محافظة الإسكندرية (1946)، الذى لم تمنعه دراسته فى كلية الزراعة وتخصّصه فى قسم الحشرات، وبالتحديد «النحل»، من حلم الانخراط فى عالم الفن.
أخذته حياة السعى والكفاح من أجل لقمة العيش إلى التنقل بين البلدان، تارة فى إيطاليا، ينام داخل محطات السكة الحديد، وأخرى فى النمسا يعمل بائعاً للصحف أمام دار الأوبرا هناك.
تنبّأ المخرج نور الدمرداش بأن هذا الشاب لن يكون مجرد رقم يُضاف إلى سجل الممثلين الذين وقفوا أمام الكاميرا، بل سيكون اسماً كبيراً.
أسند إليه دوراً مميزاً فى مسلسل «الدوامة» عام 1973، وتحقّقت النبوءة، لتُقرّر السينما أن تخطف هذا الوجه الجديد الذى نجح فى تثبيت أقدامه من شخصية إلى أخرى.
بذكائه الفنى، وبوصفه ابن بلد «مدردح»، قرر أن ينقلب على أدوار الشاب الوسيم «الدنجوان»، ليفاجئ جمهوره بشخصية «مدحت» الخائن لصديقه فى «ولا يزال التحقيق مستمراً»، و«عبدون» الحبيب المفلس فى «وكالة البلح»، و«توفيق شركس» الضابط الشرس فى «البرىء»، و«عادل» الطبيب النفسى الذى يُصاب بلوثة عقلية فى «العار» ويغنى برقصته الشهيرة «الملاحة الملاحة».
لم يكن يحب تقديم الشخصيات السهلة، بل كان يعشق «المعافرة» والتغيير، بعيداً عن التنميط، لذا تجده مختلفاً عن الآخرين، تارة «المزاجنجى» فى «الكيف»، الذى يغنى فى حب «القفا»، وتارة «على عبدالقوى» الزوج العاجز فى «عفواً أيها القانون»، أو الضابط المخلص لبلده والشاب الخائن فى «إعدام ميت»، وقاطع الطريق الذى ينتحل صفة إمام مسجد فى «الحدق يفهم»، وسائق التاكسى فى «الدنيا على جناح يمامة»، والمنجد عبدالقوى شديد فى «جرى الوحوش».
وحتى مع آخر ظهور سينمائى له عام 2009، ترك بصمته مع «عبدالملك زرزور» فى «إبراهيم الأبيض»، لتردّد الأجيال الجديدة عبارته الشهيرة «الإنسان ضعيف»، و«الجرأة حلوة مفيش كلام».
وعلى شاشة التليفزيون، كان بريقه الفنى واصلاً إلى أبعد مدى، من خلال شخصياته التى ما زالت مسيطرة فى عالم الدراما، من الفلاح أبوالمعاطى شمروخ فى «البشاير»، ورجل الأعمال العصامى فى «محمود المصرى»، ومحفوظ زلطة فى «باب الخلق»، وأبوهيبة فى «جبل الحلال»، وحتى آخر مسلسل قدّمه عام 2016 «راس الغول».
وتبقى ملحمة «رأفت الهجان» على مدار أجزائها الثلاثة (1988، 1990، 1992) شاهدة على عظمة مبدع قدير، مخلص لوطنه وفنه، ومن ثم أخلص له جمهوره الذى ظل وفياً له، دائماً ما كان يحاوطه بالدعاء فى أزماته الصحية، حتى قال: «ماكنتش فاكر إن الناس بتحبنى أوى كده».
وودّعوه بالدموع عند وفاته فى 12 نوفمبر 2016، ليرحل «ابن البلد المجدع» بجسده، تاركاً وراءه فناً لا ينضب وسحراً خاصاً لم يقدر أحد على فك طلاسمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك