من المتعارف عليه ان كل قرار دنيوي يكون له إيجابيات وسلبيات.
وعندما ترجح كفة الإيجابيات على السلبيات يتم إتخاذ ذلك القرار.
بدأ الأردن تطبيق التعديلات الجديدة على ( قانون التنفيذ ) المتعلقة بتقييد ومنع حبس المدين بتاريخ ٢٠٢٥/٦/٢٥.
ولم يُلغِ القرار الحبس بشكلٍ مطلق، بل نصّ على منع الحبس في معظم الديون والالتزامات التعاقدية مثل ( الشيكات والقروض العادية ) ضمن شروط معينة، مع استثناء بعض القضايا من هذا القرار.
والآن، وبعد مرور ما يقارب العام على تطبيق قرار وقف حبس المدين، أرى انه من الضروري تقييم إنعكاسات هذا القرار — المثير للجدل — وخاصةً آثاره على النشاط الإقتصادي عامة.
حيث يفترض ان يتم رصد الآراء المؤيدة والمعارضة ودراسة الآثار المترتبة على هذا القرار.
وهنا سأسرد بعض الإنعكاسات لقرار منع حبس المدين: —١ )) إنخفاض حاد في حجم التبادل التجاري في السوق الأردني بعد وقف حبس المدين ( بشكلٍ ملحوظ جداً ).
حيث كان حجم التبادل التجاري ضخماً بسبب الإعتماد الكبير على الشيكات كأداة إئتمان رئيسية في المعاملات التجارية ودورة الإقتصاد.
٢ )) أحدث قرار منع حبس المدين تغيراً هيكلياً في السوق حيث تراجع عدد الشيكات المتداولة بنسبة تصل الى ( ٣٢,٨٪ )، نتيجة لجوء التجار لبدائل أخرى.
٣ )) أدى قرار منع حبس المدين الى إنخفاض حاد في حجم التعامل بنظام ( البيع الآجل )، ( والشيكات المؤجلة )، وقد تراجعت هذه المعاملات التجارية بنسب ملحوظة، نتيجة إحجام التجار، والأفراد عن منح الإئتمان.
٤ )) أدى قرار منع حبس المدين الى خلق حالة من ( الإنكماش ) و ( الركود ) في الأسواق، خاصة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
٥ )) أدى قرار منع حبس المدين الى إنخفاض حاد في دخول المحامين نتيجة إنخفاض أعداد القضايا المالية والدعاوى التنفيذية المسجلة.
٦ )) أدى قرار منع حبس المدين الى تباطؤ حاد في عمليات تحصيل الديون، وإنخفاض ملحوظ في نِسب السداد.
فارتفعت حالات تعثر السداد، وأحجم العديد من التجار عن البيع بالآجل.
٧ )) إرتفاع معدلات الإستفادة السلبية ( التهرب ).
حيث يستغل عدد كبير من المدينين المقتدرين مالياً غياب عقوبة الحبس للامتناع عن السداد، معتمدين على صعوبة إثبات الدائن لقدرتهم المالية الكاملة او إخفائهم لأموالهم.
٨ )) زيادة الجديّة في التسويات للمعسرين، حيث يُجبَر المدين ( حسن النيّة ) على الإستجابة لعرض تسوية تتناسب مع مقدرته المالية، حيث تشترط القوانين ( كالقانون الأردني وقوانين أخرى ) التزام المدين بدفع نسبة محددة من أصل الدين ( تبلغ عادة ١٥٪ ) لتجنب الإجراءات القانونية الأخرى.
٩ )) أثّر قرار منع حبس المدين سلباً على الثقة في الأسواق مثل ( التعامل بالبيع بالدين او الشيكات الآجلة ) ويدفع الكثير من الدائنين للتوقف عن هذه المعاملات لتخوفهم من ضياع حقوقهم.
١٠ )) تسبب قرار منع حبس المدين في تراجع ملحوظ بحجم السيولة النقدية المتداولة.
١١ )) أدى قرار منع حبس المدين الى تراجع كبير في المبيعات الآجلة ( الشيكات والكمبيالات) من ( ٨٠٪ ) الى ( ٢٧٪ )، مما أدى الى إنكماش في حجم العمليات التجارية.
أقترح على جهات الإختصاص ان تأخذ بعين الإعتبار مواقف بعض الدائنين وهم يرون المدينين ( يتبغددون ) و ( يتفنطزون ) ويتنعمون، ويسافرون، ويتاجرون في أموالهم أمام أعينهم، وهم لا يلوون على فعل شيء، هل يستقيم هذا؟ انا اعتقد انه بعد إستفحال هذه المشكلة وزيادة القهر عند الدائنين ستظهر جرائم ذات صلة بهذا الموضوع.
والمثل الشعبي يقول: ( من أخذ مالك خذ روحه ).
بعد ان تأكد لنا ان قرار وقف حبس المدين ظهرت له سلبيات عديدة وخطيرة.
حيث إنخفض التبادل التجاري، و ظهرت حالة من الإنكماش والركود في السوق الأردني، وعزوف الكثيرين عن سداد التزاماتهم، وحدوث تراجع كبير في السيولة النقدية، وفقدان الثقة بين المتعاملين في السوق، وغيرها من الأسباب، أرى ان الوطن بحاجة الى قرار جريء ( بالعدول ) عن قرار ( منع حبس المدين )، وإعادة الأمور الى ما كانت عليه، مع مراعاة ما يلي: —١ )) إصدار قرار من البنك المركزي الأردني بمنع صرف الشيكات الا في تاريخ إستحقاقها.
٢ )) إصدار قرار من البنك المركزي الأردني بمنع ( تجيير ) الشيكات نهائياً.
إذ كيف يستقيم ان تُصدِر أحدى الجهات شيكاً آجلاً، ويتم السماح بتقديمه للصرف في اليوم التالي! ؟ فلو توفرت السيولة النقدية لمن اصدر الشيك لما أصدره بتاريخ آجل.
وعليه انا اعتبر ان صرف الشيك قبل تاريخ الاستحقاق، وكذلك تجيير الشيكات ظاهرة غير حضارية، ولا أود أن أقول انها ( متخلفة ).
لتأكيد صِحة ما أقول: كنت مديراً عاماً لمجموعة شركات، في أبوظبي، تتكون من ( ٦ ) شركات، لمدة ( ١٢ ) عاما، ولم يحصل ان ارتجع ولو شيكاً واحداً على الإطلاق، والسبب اننا عندما نُصدر بعض الاحيان شيكاً آجلاً، لا تسمح بنوك الإمارات بإيداعه الا في يوم استحقاقه.
يجب ان نعود الى إعتبار ارتجاع الشيك جريمة جزائية يحاسب عليها القانون، حتى نعود الى آليات ضبط السوق، ومعاقبة من يُصدِر شيكاً وهو لا ينوي السداد، لكن شريطة عدم صرف الشك الا في تاريخ الاستحقاق، ومنع التجيير للغير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك