لم تعد أكوام النفايات المتراكمة في شوارع دمشق وبلدات ريفها مشهداً استثنائياً، بل تحولت إلى جزء من المشهد اليومي الذي يواجهه السكان في أحيائهم ومحيط المرافق العامة.
ومع تراجع مستوى خدمات النظافة، تتزايد المخاوف من التداعيات البيئية والصحية لهذه الظاهرة، في ظل ما تسببه من تلوث وانتشار للحشرات والروائح الكريهة، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى حلول عاجلة للحد من تفاقم الأزمة.
الجانب الميداني وضغوط العمل اللوجستيوفي متابعة ميدانية لجذور هذه الأزمة، يبرز أمر واقع يواجه قطاع النظافة يتمثل في نقل مكب النفايات الرئيسي إلى منطقة الكسوة في ريف دمشق، وهو ما بات يستغرق زمناً طويلاً في حركة الآليات والشاحنات في أثناء عمليات الترحيل اليومية.
وفي هذا السياق، يؤكد مراقب النظافة في منطقة الميدان عامر بشير أن الأمور اللوجستية العامة تسير في إطار المتاح، وأن الورشات موعودة قريباً بآليات جديدة لتعزيز الأسطول الحالي، مشيداً بالاستجابة السريعة من قبل مديرية النظافة المركزية.
وينوه البشير في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى وجود تقصير في عمليات ترحيل النفايات يعود بشكل مباشر إلى النقص الحاد في الكادر البشري؛ موضحاً أن الاعتماد على العقود الموسمية برواتب منخفضة بات ينفّر العمال ويعوق استقرارهم الميداني.
ويشير بشير إلى أنه من المفروض لضمان تغطية الحي بشكل دوري صباحاً وظهراً ومساءً وجود 250 عامل نظافة كحد أدنى، أما على أرض الواقع فلا يوجد سوى 120 عاملاً فقط؛ وهو رقم مقلص لا يستطيع أن يقوم بالمهام كاملة، مما ينعكس سلباً على كفاءة الترحيل اليومي ويتسبب في تراكم النفايات بالشكل الظاهر حالياً في الشوارع.
الأهالي في مواجهة التراكم اليومي للقمامةانعكس هذا الواقع المركب بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للسكان، يقول عبد الله وهو أحد القاطنين في مبنى مجاور لإحدى الحاويات: " صرت لما دل الناس على بيتي قلهم إنو ناح حاوية زبالة، على قد مو هية مشهورة إنو دائمة ممتلئة والنبيشة بيتناوبوا عليها".
من جانبها، تُعبر أم سامي عن مخاوفها المستجدة قائلة: " الحاويات دائماً ممتلئة بالقمامة، والكلاب الشاردة تأتي إليها ليلاً بانتظام، لدرجة أنني لم أعد أجرؤ على إرسال أكياس النفايات مع أطفالي خوفاً من أن تهجم الكلاب عليهم".
ظاهرة" النبيشة" ومعاناة عمال النظافةوفي عمق هذه الحلقة من نقص الآليات والعمال، تبرز ظاهرة" النبيشة" كعامل تخريب إضافي؛ حيث يعمد فتية وشبان -دفعهم الفقر والظروف المعيشية الصعبة- إلى نبش الحاويات وتمزيق الأكياس ونثر محتوياتها على الأرصفة والشوارع بحثاً عن البلاستيك والمعادن لبيعها.
هذا السلوك العشوائي يحوّل محيط كل حاوية إلى بؤرة للتلوث، ويضاعف الأعباء الملقاة على عاتق الكادر العمالي المُقلص أساساً.
وفي المقابل، يتحدث سعيد، وهو أحد عمال النظافة الميدانيين في أحياء دمشق، عن حجم المعاناة اليومية لورشات الكنس والجمع قائلاً: " نعاني كل يوم من انتشار النفايات بشكل عشوائي ومبعثر في محيط الحاويات، الأمر الذي يستغرق منا وقتاً طويلاً وجهداً مضاعفاً لإعادة جمعها وإلقائها في الحاويات مجدداً، قبل أن نتمكن من تفريغها في سيارات القمامة الكبيرة.
ويتابع سعيد في حديثه لموقع تلفزيون سوريا" إن العمل الميداني بات مرهقاً للغاية، ونبذل أقصى طاقتنا لملاحقة هذا التراكم المستمر، عدا عن ذلك عدم الالتزام بمواعيد إلقاء القمامة".
خطط مديرية النظافة والحلول المطروحةأمام هذه الظاهرة المتزايدة وشكاوى السكان، تعمل محافظة دمشق ومديرية النظافة على مسارين؛ إسعافي واستراتيجي، لإيجاد حلول للأزمة؛ إذ أوضح مدير النظافة عبدو علوش في تصريحات على وسائل التواصل الاجتماعي أن المديرية تعمل على مشروع مناقصة لإنشاء معمل نفايات جديد بديل عن المعمل القديم الذي تعرض للسرقة والتخريب، بالتوازي مع خطة مستقبلية لإدخال حاويات ذكية تُثبّت تحت الأرض.
كما أكد توزيع حاويات قمامة صغيرة في مختلف شوارع دمشق، وتخصيص رقم خاص للشكاوى لتلقي بلاغات المواطنين المتعلقة بالنظافة مدعومة بالصور، مع التعهد بمعالجتها ميدانياً خلال مدة أقصاها ثلاث ساعات، وهي استجابة سريعة حقيقية يلمسها السكان على نطاق ضيق.
ورغم هذه الإجراءات، أقرَّ علوش بوجود جملة من التحديات المعقدة التي تعوق عمل المديرية؛ وفي مقدمتها الطبيعة الجغرافية الوعرة والمكتظة لبعض المناطق والأحياء مثل: (مزة 86، التضامن، واللوان)، حيث تتسبب الطرق الضيقة والمنحدرات في صعوبة بالغة لوصول آليات ترحيل القمامة والضاغطات الكبيرة إليها، مما يستوجب بذل جهود ميدانية مضاعفة من العمال والآليات الصغيرة للوصول إلى عمق تلك الحارات.
وأضاف علوش أن النقص الحاد في الكادر البشري يمثل ضغطاً مستمراً، جرت محاولة تعويضه مؤخراً عبر رفد المديرية بألف عامل جديد، بالتوازي مع تزويد المدينة بآليات جديدة ودخول مجموعة أخرى قيد التجهيز والصيانة إلى الخدمة، مشيراً إلى أن المديرية تعتمد حالياً على خطط دورية (يومية، وأسبوعية، وشهرية) لجمع المهملات وترحيلها بالتنسيق مع لجان الأحياء والجهات المعنية، مع تشديده على أهمية الوعي المجتمعي وتكامل السكان مع هذه الجهود.
مبادرة" الزاهرة".
التكافل المجتمعي يسد الفراغوأمام تأخر الحلول الرسمية المستدامة، تحرك المجتمع المحلي لتخفيف وطأة الأزمة؛ حيث بادرت لجنة حي" الزاهرة" بدمشق بجهود ذاتية إلى استقدام براميل صغيرة الحجم وتثبيتها على الأعمدة في الشوارع لمنع رمي الأوساخ على الأرض، كما أمنت اللجنة براميل ضخمة وزعتها في النقاط والزوايا الحيوية التي تفتقر أصلاً للحاويات الرسمية، في خطوة نجحت محلياً في تنظيم جمع النفايات وحماية أطفال الحي من التلوث والأمراض.
وبين الاستجابة الإسعافية لمديرية النظافة والواقع الخدمي الصعب على الأرض، تظل شوارع دمشق ساحة مواجهة يومية يتقاسم أعباءها مواطنون يبحثون عن بيئة صحية، وعمال يصارعون نقص الإمكانيات؛ في وقت يبقى فيه الحل الجذري للأزمة رهناً بمعالجة الأسباب الهيكلية، وعلى رأسها تحسين أجور الكوادر، وإنجاز معمل النفايات البديل، وتطوير أسطول الآليات لضمان سرعة ترحيل النفايات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك