جرش- في الوقت الذي تنتظر فيه الأسر العاملة بالقطاع الزراعي في محافظة جرش مواسم الإنتاج كل عام باعتبارها فرصة لتعويض تكاليف الزراعة وتحقيق دخل يساعدها على مواجهة الأعباء الاقتصادية المتزايدة، تجد كثير من تلك الأسر أنفسها أمام واقع مختلف تماما، فبدلا من أن تتحول وفرة الإنتاج إلى مصدر للربح والتنمية، تتحول في كثير من الأحيان إلى أزمة حقيقية بسبب ضعف التسويق وغياب الفعاليات القادرة على استيعاب الكميات المنتجة وفتح أسواق جديدة لها.
اضافة اعلانومع دخول موسم المونة والصناعات الغذائية المنزلية، تمتلئ منازل القرى والبلدات الجرشية بأصناف متعددة من المنتجات التقليدية التي اشتهرت بها المحافظة منذ عقود طويلة، من المربيات ودبس الرمان والمخللات والزعتر والجميد والزيتون المجفف والأعشاب الطبية والعطرية، إلى جانب منتجات زراعية موسمية متنوعة، إلا أن هذا النشاط الإنتاجي الكبير يصطدم سنويا بمشكلة متكررة تتمثل في محدودية قنوات التسويق وضعف القدرة على الوصول إلى المستهلكين خارج حدود المحافظة.
وبينما تشهد جرش خلال هذه الفترة ذروة الإنتاج الزراعي والغذائي، تتصاعد مطالب المزارعين والجمعيات التعاونية والأسر المنتجة بضرورة إعادة إحياء المهرجانات والأسواق الموسمية المتخصصة، باعتبارها وسيلة فعالة لتحويل الوفرة الإنتاجية إلى فرصة اقتصادية حقيقية بدلا من بقائها عرضة للكساد والخسائر.
حول ذلك، قال المزارع محمد فريحات إن محافظة جرش تتمتع بخصوصية زراعية مميزة جعلتها من أهم المحافظات المنتجة للعديد من المحاصيل الزراعية والغذائية، فالطبيعة الجغرافية المعتدلة ووفرة الأراضي الزراعية وتنوع المناخ بين المناطق أسهمت في إنتاج أصناف متعددة من الخضراوات والفواكه والأعشاب الطبية.
وبين أنه خلال أشهر الصيف والخريف تحديدا، تشهد المحافظة وفرة واضحة في إنتاج التين والعنب والرمان والخضراوات الموسمية، إضافة إلى المنتجات المصنعة منزليا التي تشكل جزءا أساسيا من الاقتصاد الريفي في جرش، ولا يقتصر الأمر على المزارعين فقط، بل تمتلك مئات السيدات والأسر المنتجة خبرات طويلة في تصنيع المنتجات الغذائية التقليدية التي تلقى إقبالا واسعا من المستهلكين بسبب جودتها وارتباطها بالموروث الشعبي الأردني.
ويرى فريحات أن حجم الإنتاج المتزايد عاما بعد آخر لا يقابله توسع مماثل في الأسواق أو المنافذ التسويقية، ما يؤدي إلى وجود فجوة واضحة بين الإنتاج والتسويق.
أما المزارعة فضية العياصرة، فترى أن وفرة الإنتاج الزراعي تبدو خبرا إيجابيا للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تتحول أحيانا إلى مشكلة اقتصادية حقيقية عندما لا تتوفر قنوات قادرة على استيعاب الإنتاج، ففي مواسم الخير تزداد الكميات المطروحة في الأسواق المحلية بشكل كبير، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار نتيجة زيادة العرض مقارنة بحجم الطلب، وعندما تنخفض الأسعار إلى مستويات متدنية، يصبح المزارع أمام معادلة صعبة، فهو مطالب بتحمل تكاليف الزراعة والري والأسمدة والعمالة والنقل، بينما لا يحقق من بيع محصوله سوى عائد محدود قد لا يغطي جزءا من تلك التكاليف.
وأوضحت العياصرة أن بعض المنتجات تشهد انخفاضا حادا في أسعارها خلال ذروة الموسم بسبب التشبع في السوق المحلي، ما يدفع بعض المنتجين إلى بيع محاصيلهم بأسعار متدنية أو ترك جزء منها من دون حصاد لعدم جدوى جمعها اقتصاديا.
وبحسب المنتجة ريم الزعبي، فإن الأسر المنتجة تواجه تحديا مختلفا يتمثل في صعوبة تسويق المنتجات المنزلية رغم الجهد الكبير المبذول في تصنيعها وتجهيزها وفق معايير الجودة والنظافة، مضيفة أن المونة المنزلية تعد جزءا أصيلا من الثقافة الاجتماعية في جرش، حيث تحرص الأسر سنويا على تصنيع منتجات غذائية متنوعة تعتمد على المحاصيل المحلية.
وتشمل هذه المنتجات دبس الرمان، والمربيات، والمخللات، والزعتر، والميرمية، والبابونج، والزيتون، والزيوت الطبيعية، ومنتجات الحبوب التقليدية وغيرها من الأصناف التي تحمل هوية المنطقة وتراثها.
وتعتقد الزعبي أن هذه المنتجات، التي يمكن أن تشكل موردا اقتصاديا مهما للكثير من الأسر، تواجه تحديات كبيرة في التسويق، خصوصا في ظل المنافسة مع المنتجات التجارية واسعة الانتشار، لا سيما أن جودة المنتج وحدها لم تعد كافية لتحقيق النجاح، بل أصبح التسويق والترويج والعرض الاحترافي عوامل أساسية لضمان الوصول إلى المستهلك.
إلى ذلك، يؤكد رئيس منتدى جبل العتمات الثقافي المهندس خلدون عتمة، أنه ورغم الشهرة السياحية التي تتمتع بها جرش، إلا أن كثيرا من المنتجين يرون أن المحافظة لا تستفيد بالشكل الكافي من مواسم الإنتاج الزراعي في تنظيم مهرجانات وأسواق موسمية متخصصة، فالمهرجانات لم تعد مجرد فعاليات احتفالية أو مناسبات ترفيهية، بل أصبحت أداة اقتصادية معتمدة في العديد من الدول والمناطق لدعم المنتج المحلي وتحفيز الحركة التجارية.
وشدد عتمة على أن إقامة مهرجانات موسمية للمنتجات الزراعية والغذائية يمكن أن تحقق أهدافا عدة في وقت واحد، من أبرزها دعم المزارعين، وتعزيز دخل الأسر المنتجة، وتنشيط الحركة السياحية، والترويج للهوية التراثية للمحافظة، كما يمكن لهذه المهرجانات أن توفر منصة مباشرة للبيع من دون الحاجة إلى وسطاء، الأمر الذي يرفع هامش الربح للمنتج ويمنحه فرصة التواصل المباشر مع المستهلك.
وتعد جرش من أبرز الوجهات السياحية في الأردن، إذ تستقطب أعدادا كبيرة من الزوار الباحثين عن التاريخ والثقافة والطبيعة، حيث يرى خبراء التنمية المحلية أن هذا الواقع يشكل فرصة ذهبية لتسويق المنتجات الجرشية، إلا أن الاستفادة من هذه الفرصة ما تزال دون المستوى المطلوب.
ووفق أحمد الصمادي، وهو ناشط في العمل التطوعي ورئيس ملتقى جرش الثقافي، فإن الزائر الذي يقصد جرش غالبا ما يبحث عن تجربة متكاملة تشمل الطعام المحلي والمنتجات التراثية والحرف التقليدية، ما يجعل إقامة أسواق ومهرجانات دائمة بالقرب من المواقع السياحية خطوة قادرة على تحقيق فوائد اقتصادية كبيرة.
وأضاف الصمادي أن ربط المهرجانات بمواسم الإنتاج الزراعي من شأنه أن يمنح الزائر تجربة فريدة، ويعزز الطلب على المنتجات المحلية، ويخلق فرصا استثمارية جديدة، فضلا عن أن الجمعيات التعاونية والنسائية تلعب دورا محوريا في دعم الإنتاج المحلي داخل المحافظة، حيث تعمل على تدريب السيدات وتمكينهن اقتصاديا وتشجيع المشاريع المنزلية، ورغم النجاحات التي حققتها بعض الجمعيات خلال السنوات الماضية، إلا أنها ما تزال تواجه تحديات تتعلق بالتسويق والاستدامة المالية.
ويؤكد القائمون على هذه الجمعيات أن الدعم الحقيقي لا يقتصر على تقديم المنح أو التدريب فقط، بل يتطلب إيجاد أسواق دائمة لتصريف المنتجات وضمان استمرارية الطلب عليها، كما يطالبون بزيادة إشراك الجمعيات في المهرجانات والفعاليات الوطنية، ومنحها مساحات عرض مجانية أو مدعومة، بما يمكنها من الوصول إلى شرائح أوسع من المستهلكين.
من جهتها، ترى مديرة بيت خيرات سوف سمية كريشان أن آثار الكساد لا تتوقف عند حدود الخسائر المالية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وتنموية أعمق، فعندما يعجز المزارع أو المنتج عن تحقيق عائد مناسب من عمله، تتراجع قدرته على الاستثمار والتطوير، ويصبح أكثر ترددا في التوسع أو الاستمرار بالمشروع، كما أن استمرار ضعف التسويق يدفع بعض الشباب إلى الابتعاد عن العمل الزراعي والبحث عن فرص أخرى، الأمر الذي يهدد مستقبل القطاع الزراعي على المدى الطويل.
وأضافت أن تراجع الصناعات الغذائية المنزلية قد يؤدي إلى اندثار بعض المهارات التراثية التي توارثتها الأجيال عبر عقود طويلة، وفي المقابل، نجحت العديد من المناطق داخل الأردن وخارجه في تحويل مواسم الإنتاج الزراعي إلى أحداث اقتصادية وسياحية تستقطب الزوار من مختلف المناطق، فبعض المحافظات استطاعت من خلال مهرجانات التين أو الزيتون أو الرمان أو المنتجات الريفية أن تخلق حراكا اقتصاديا واسعا أسهم في رفع مبيعات المنتجين وتحسين دخولهم.
وأشارت إلى أن هذه التجارب تؤكد أن النجاح لا يعتمد فقط على إقامة المهرجان، بل على استمراريته وتنظيمه وتسويقه بشكل احترافي، وربطه بالقطاع السياحي والاقتصادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك