كتب- اللواء المتقاعد د.
موسى العجلوني تُعد "القائمة السوداء" الواردة في تقارير الأمم المتحدة بشأن الانتهاكات الجسيمة في النزاعات المسلحة إحدى أهم أدوات الرصد والمساءلة الدولية.
ورغم أن الإدراج فيها لا يترتب عليه تلقائياً فرض عقوبات أو ملاحقات قضائية، فإنه يمثل اعترافاً أممياً بوجود معلومات وأدلة موثقة تستدعي المتابعة والتدقيق والمحاكمة والمحاسبة.
ومن هذا المنطلق، يكتسب قرار الأمين العام للأمم المتحدة بإدراج قوات الأمن الصهيونية ومصلحة السجون في التقرير الأممي المعني بالانتهاكات الجسدية والجنسية المرتبطة بالنزاعات أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب طبيعته القانونية والحقوقية، بل لأنه يطال إحدى أكثر الدول حرصاً على تجنب أي تصنيف أممي يمس شرعية وهيبة مؤسساتها الأمنية والعسكرية.
فمنذ عقود، استثمرت دولة الكيان جهداً سياسياً ودبلوماسياً وإعلاميا كبيراً للحفاظ على صورة مؤسساتها الأمنية والعسكرية بوصفها مؤسسات خاضعة للقانون والمسائلة وقادرة على محاسبة أفرادها عند وقوع الانتهاكات.
وقد شكلت هذه السردية أحد أهم خطوط الدفاع التي استخدمتها في مواجهة الانتقادات والاتهامات الحقوقية المتكررة.
غير أن هذا التطور الأممي اللافت يعكس تحولاً مهماً في طريقة تعامل المؤسسات الدولية مع الانتهاكات المنسوبة إلى هذه الدولة ، ويشير إلى تراجع فعالية الحصانة السياسية والمعنوية التي تمتعت بها لعقود طويلة.
أولاً: الدلالة القانونية والحقوقية وتآكل الدفاع القائم على التحقيق الداخلي تاريخياً، كانت إسرائيل تدفع الملاحقات الدولية بالادعاء بأن منظومتها القضائية قادرة على التحقيق والمحاسبة داخلياً.
لكن التقرير الأممي الذي وثّق حالات عنف وتعذيب جنسي ممنهج داخل منشآت احتجاز وإعتقال رسمية (مثل "سديه تيمان" وعوفر ومجدو)، أثبت وجود "سياسة الإفلات من العقاب"، التي تجسدت في إسقاط التهم عن جنود متورطين رغم وجود توثيق طبي وفيديوهات مسجلة.
هذا الانهيار في مصداقية التحقيق الداخلي يجرّد سلطات الإحتلال من خط دفاعها الأول، ويفتح الباب واسعاً أمام محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، والمحاكم الوطنية التي تأخذ بمبدأ "الولاية القضائية العالمية" لملاحقة مسؤولي وقادة الإحتلال.
ثانياً: الدلالة السياسية ومأسسة الانتهاكات لم تعد الاتهامات تُقرأ دولياً كـ"أخطاء ميدانية فردية"، بل كسياسة مؤسسية تشترك فيها منظومة الاحتجاز بأكملها؛ من إدارة سجون وأجهزة أمنية، وصولاً إلى طواقم طبية وقانونية وفرت غطاءً لتلك الممارسات.
وما زاد من خطورة ذلك هو الدعم العلني الذي قدمه مسؤولون حكوميون وأعضاء كنيست لجنود متهمين، مما تحول في المنظور الدولي إلى قرينة إدانة تثبت تبني الدولة لهذه السلوكيات.
ثالثاً: الدلالة الأخلاقية وتراجع السردية التقليدية ربما تكون الضربة الأشد تأثيراً هي تلك التي طالت البعد الأخلاقي والإعلامي في خطاب دولة الإحتلال.
فإدراج مؤسسات امنية وعسكرية صهيونية في تقرير أممي يضم جهات دولية أخرى مصنفة كحركات إرهابية ومتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة للعنف الجسدي والجنسي في النزاعات يضعف الخطاب القائم على تسويق تل أبيب باعتبارها نموذجاً استثنائياً في احترام القانون والمعايير الإنسانية، ويضعها في صف هذه الحركات الإرهابية.
رابعاً: الدلالة الدولية وسقوط جدار التعتيم على الصعيد الدولي، يضيق الهامش الدبلوماسي لدولة الكيان حتى مع حلفائها التقليديين.
فالتقرير لم يكتفِ بتوثيق الحالات، بل أشار إلى أن سياسة "منع الوصول" التي تنتهجها سلطات الإحتلال بوجه الهيئات الأممية، وتهديد المعتقلين لإجبارهم على عدم الإبلاغ، تحولا إلى أدلة إضافية على طمس الحقائق، مما يعزز التوجه الدولي نحو فرض عقوبات سياسية واقتصادية، وتقييد التعاون الأمني والاستخباراتي مع أجهزة أمنية مصنفة أممياً كمرتكبة لانتهاكات جسيمة.
خامساً: بيئة الاحتجاز وصدمة الأرقام لا تقتصر أهمية القضية على الجانب القانوني أو السياسي، بل تمتد إلى البعد الإنساني المباشر.
فالتقارير الحقوقية المتراكمة خلال السنوات الأخيرة، وما تضمنته من شهادات حول أوضاع الاحتجاز والمعاملة القاسية وغير الإنسانية للمعتقلين، إلى جانب الارتفاع الكبير في أعداد الوفيات داخل مراكز الاحتجاز التي بلغت 89 حالة وفاة منذ الحرب على غزة في تشرين اول 2023 من اصل 326 منذ عام 1967 ، كلها عوامل ساهمت في تعزيز القلق الدولي بشأن الظروف الإنسانية للمعتقلين الفلسطينيين وتعطي أبعاداً دامية تؤكد وجود سياسة تصفية معنوية وجسدية ملموسة.
سادساً: كسر الاستثناء السياسي لعل الدلالة الأعمق لهذا التطور تكمن في أنه يعكس تحولاً متسارعا في المزاج الدولي تجاه دولة الكيان.
فبعد سنوات طويلة كانت فيها كثير من التقارير الحقوقية تواجه بالتشكيك أو التهميش، باتت المؤسسات الدولية أكثر استعداداً لتوثيق الانتهاكات وتسميتها بصورة مباشرة.
وإدانتها والمطالبة بمحاسبة مرتكيبيها والمسؤلين عنها.
ولا يعني ذلك انقلاباً فورياً في موازين القوى أو تغيراً جذرياً في مواقف الدول الكبرى، لكنه يشير إلى تراجع قدرة تل أبيب على الاحتماء بما كان يُنظر إليه طويلاً باعتباره "استثناءً سياسياً" او "غض طرف" يخفف من حدة المساءلة الدولية.
خلاصة القول رحبت الجهات الفلسطينية والحقوقية الدولية بالقرار وعدّته اعترافاً دولياً متأخراً بحجم الانتهاكات الواقعة على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.
لكن الأهمية الحقيقية للحدث تتجاوز ردود الفعل السياسية الآنية، لتكمن في كونه يؤسس لمرحلة جديدة من التدقيق والمساءلة القانونية والأخلاقية.
فإدراج مؤسسات صهيونية رسمية في تقرير أممي بهذا المستوى لا يمثل نهاية المسار، بل بداية مرحلة قد تتسم بتزايد الضغوط الحقوقية والقانونية والدبلوماسية.
والأهم من ذلك أنه يبعث برسالة مفادها أن الحصانات والإستثناءات السياسية، مهما طال أمدها، ليست ضمانة دائمة ضد المساءلة عندما تتراكم الأدلة وتتسع دائرة التوثيق الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك