كتب زياد فرحان المجالي لم يعد مضيق هرمز مجرد عنق زجاجة تعبره ناقلات النفط والغاز، بل تحول إلى ساحة اختبار كبرى تختزل تعقيدات الشرق الأوسط بأكمله.
ففي هذا الشريط البحري الضيق، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الطاقة والردع والنفوذ، تبدو المنطقة كلها مضغوطة في زر أمني واحد؛ إن ضُغط، اشتعل الخليج، وارتبكت الأسواق، وامتدت الارتدادات من طهران وواشنطن إلى تل أبيب وبكين.
في الثمانينيات عرفت المنطقة ما سُمّي "حرب الناقلات”، حين تحولت السفن التجارية إلى أهداف ضمن صراع إقليمي قابل للاحتواء.
غير أن مشهد اليوم أكثر تعقيدًا.
لم تعد الناقلة هدفًا منفصلًا في مياه الخليج، بل صارت جزءًا من شبكة أوسع تربط البحر بغزة، وجنوب لبنان، والملف النووي، والصراع الأميركي الإيراني، وحسابات الصين والطاقة العالمية.
هذا التحول يعني أن قواعد الاشتباك القديمة سقطت.
لم يعد ممكنًا عزل أمن البحر عن صراعات البر، ولا فصل حركة النفط عن مسار التفاوض.
فالمضيق الذي يعبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي يوميًا لم يعد رقمًا اقتصاديًا فقط، بل ورقة ضغط استراتيجية في يد إيران، واختبارًا مباشرًا للولايات المتحدة في قدرتها على حماية الملاحة، وردع تكتيكات الحرب الهجينة، والمسيرات البحرية، والضغط غير المباشر.
المفارقة أن هذا الممر الضيق بات أوسع قناة سياسية لتبادل الرسائل النارية.
كلما تعثرت الدبلوماسية أو تصاعد القتال في جبهة أخرى، ارتفعت كلفة التأمين على السفن، وتبدلت مسارات الناقلات، وتحول البحر إلى مقياس حساس لاحتمالات الانفجار الكبير.
هنا لا تتحرك السفن في الماء فقط، بل تتحرك داخل معادلة خوف دولية.
أمام هذه الهشاشة، تبحث دول الخليج عن بدائل لوجستية عبر الأنابيب والموانئ والمسارات البرية، لكن الحقيقة القاسية أن البدائل تخفف الخطر ولا تلغيه.
يمكن تجاوز جزء من الضغط، لكن لا يمكن شطب الجغرافيا.
فهرمز ليس مجرد ممر، بل عقدة استراتيجية لا يملك العالم ترف الاستغناء عنها.
وتكمن خطورة تدويل الأزمة في أن كل طرف قد يربح تكتيكيًا ويخسر استراتيجيًا.
إيران قد تستخدم المضيق لرفع ثمن التفاوض، لكنها تخاطر بدفع العالم إلى بناء آليات ردع دائمة ضدها.
وواشنطن قد تحشد تحالفات بحرية لحماية الملاحة، لكنها قد تجد نفسها أمام استنزاف طويل في مسرح احتكاك مفتوح.
أما دول الخليج فتقف بين حاجتها إلى الحماية الدولية ورغبتها في الحفاظ على استقلال قرارها السيادي والاقتصادي.
لذلك لم يعد السؤال: هل يُغلق المضيق أم يُفتح؟ السؤال الأعمق هو: من يملك حق تعريف الأمن البحري في الخليج؟ هل هو أمن الناقلات وحده، أم أمن الدول الشاطئية، أم جزء من تسوية سياسية شاملة تمنع تحويل البحر إلى ساحة حرب دائمة؟ هرمز اليوم لم يعد ممرًا بحريًا فقط، بل مرآة للنظام الإقليمي الجديد.
وإذا كان القرن الماضي قد شهد حرب ناقلات تقليدية، فإن القرن الحالي يواجه اشتباك الساحات المركب؛ حيث تتحول الناقلة إلى رسالة سياسية، والبحر إلى طاولة تفاوض عائمة، والجغرافيا إلى سلاح صامت.
ومن يضغط على زر هرمز لا يهدد الخليج وحده، بل يضع يده على أعصاب الاقتصاد العالمي كله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك