في صباح يومٍ سياسي عاصف، وبينما كانت شاشات التلفزة العالمية تتبارى في التنبؤ بموعد سقوط النظام الإيراني وتدق طبول الحرب في مضيق تايوان، شهدت العاصمة الإيرانية مفارقة سريالية؛ حيث افتتحت بورصة طهران جلستها على صعودٍ حاد وغير منطقي، مدفوعةً بهلع الداخل من انهيار العملة وبحثًا عن ملاذات آمنة تحت ظلال العقوبات والمخاوف العسكرية.
هذا المشهد المربك ليس مجرد تفصيل اقتصادي معزول، بل هو مرآة مصغرة للعبة الجيوسياسية الكبرى التي تُدار خلف الغرف المغلقة؛ حيث الأسواق تتنفس عكسًا، والرماد السياسي يخفي تحته صفقات وتوازنات كبرى لا تظهر على الشاشات.
إن هذا الارتفاع القياسي في مؤشرات الأسهم بطهران لا يعكس عافية إنتاجية، بل هو آلية دفاعية كلاسيكية فيما يُعرف بـ" تضخم الأصول" (Asset Inflation)؛ حيث يفر المستثمرون من الريال الإيراني المتهاوي إلى شراء أسهم الشركات الصناعية والبتروكيماوية كأصول عينية تُقوّم قيمتها الضمنية بالدولار.
إنها" سريالية التحوط" التي تحوّل ذعر الانهيار المالي إلى قفزات رقمية خادعة على شاشات التداول.
إن العالم اليوم لا يعيش حروبًا منفصلة، بل يمر بمرحلة" أواني مستطرقة" استراتيجية خطيرة؛ حيث يتأثر مصير طهران طرديًا بقفزة التسلح المرعبة لليابان، والذعر الصيني من تمدد العقيدة العسكرية لـ" الساموراي"، والبراغماتية الأمريكية التي تقودها إدارة ترامب بمنطق الصفقات وأوراق الضغط.
فكيف تحول التهديد بكوريا الشمالية إلى ذريعة لتسليح طوكيو بميزانيات دفاعية قياسية؟ وكيف يستفيد نظام الملالي من انشغال واشنطن بـ" التنين" الصيني لالتقاط أنفاسه رغم الاستنزاف الاقتصادي والشعبي؟الإجابة تكمن في شريان" اقتصاد الظل" العابر للحدود؛ فالصين التي تواجه محاولات أمريكية لتطويقها، تواصل مد حبل الوريد المالي لطهران عبر شراء" النفط الشبح" الإيراني بأسعار مخفضة عبر مصافي تكرير مستقلة (Teapots)، وبتسويات مالية تجري باليوان خارج نظام" سويفت" الدولي.
هذا الشراء غير الرسمي للنفط هو المعادل الموضوعي الذي يمنح طهران القدرة على حبس الأنفاس والالتفاف على المقصلة المالية لإدارة ترامب.
يكشف الواقع الدبلوماسي أن انزعاج بكين الأخير في غرف المفاوضات المغلقة لم يكن بسبب تايوان فحسب، بل بسبب الضوء الأخضر الأمريكي لليابان لتتجاوز إرثها السلمي وتتحول إلى ترسانة عسكرية هجومية على حدود الصين الشرقية.
وهو تحول تدرك بكين أنه يستهدف استنزافها اقتصاديًا عبر إشعال سباق تسلح يلتهم ميزانيات الرعاية والتنمية الآسيوية، ويقوض تفوقها في سلاسل إمداد التكنولوجيا الحيوية والرقائق الإلكترونية في تايوان.
وفي المقابل، تدرك القوى الكبرى أن السعي وراء" إسقاط فوضوي" فوري للنظام في إيران قد يفجر بدائل مجهولة وأكثر خطورة—بدءًا من الانقسام العرقي وصولًا إلى تسرب المواد النووية.
لذا يبقى الخيار المفضّل هو" الاحتواء والاستنزاف" وضبط الإيقاع، وليس الهدم الكامل.
في المحصلة، يثبت لنا المشهد الجيوسياسي المعاصر أن الخرائط لا تُرسَم بالأمنيات، ولا بالتحليلات التلفزيونية الصادمة التي تبشر بانهيارات سريعة وجاهزة لخطط التبديل أو عودة الملكيات السابقة.
إن الشرارة تحت الرماد فعلًا، لكنها ليست شرارة حرب عالمية تدميرية حتمية، بل هي" حرب استنزاف باردة" وضغوط متبادلة، حيث يتحول السلاح والتصريحات، وحتى براميل النفط المهرب وأسعار الفائدة إلى عملات تفاوضية في سوق دولية كبرى.
وبينما يستمر التلاسن الإعلامي، تظل الغرف المغلقة محكومة بمعادلة" الرعب المشترك".
الغرب لن يغامر بإنهاء صلاحية النظام الإيراني عسكريًا طالما أن عيون البنتاغون مثبتة على المحيط الهادئ، والصين لن تتهور في تايوان ما دامت طوكيو ترفع وتيرة إنفاقها العسكري بدعم أمريكي مباشر.
ستبقى بورصة طهران ترتفع وتهبط في دلالة على قلق الداخل وتحوطه، وسيبقى العالم يسير على حبل مشدود؛ حيث البقاء ليس للأقوى صوتًا على الشاشات، بل لمن يمتلك نفسًا أطول في لعبة حرق الوقت وحبس الأنفاس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك