في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لا تُقاس المراحل بالأزمنة فقط، بل تُقاس بالبابوات الذين قادوا مسيرتها، وصاغوا ملامحها الروحية والفكرية والوطنية.
وعلى مدار العقود الأخيرة، برزت ثلاث شخصيات بابوية شكلت معًا ما يمكن وصفه بـ" ثلاثية القيادة" في العصر الحديث، وهم البابا كيرلس السادس، والبابا شنودة الثالث، والبابا تواضروس الثاني، حيث مثل كل منهم مرحلة مختلفة لكنها متكاملة في بناء الكنيسة وخدمتها داخل مصر وخارجها.
البابا كيرلس السادس.
رجل الصلاة وباني النهضة الروحيةيُعد كيرلس السادس واحدًا من أبرز الشخصيات الروحية في تاريخ الكنيسة المعاصر، حيث تميزت حياته بالزهد والتقشف والتوحد، حتى لُقب بـ" رجل الصلاة"، وُلد باسم عازر يوسف عطا عام 1902، وبدأ طريقه الرهباني في دير البراموس، قبل أن ينفرد بحياة التوحد في مغارة بالصحراء، ثم في طاحونة بالمقطم، بعمق التجرد والانقطاع للعبادة.
عندما جلس على الكرسي البابوي عام 1959، كانت الكنيسة تمر بمرحلة تحتاج إلى إعادة إحياء روحي وهو ما نجح فيه بامتياز، حيث أعاد التركيز على الحياة الروحية والقداسات اليومية، وأثر في حياة آلاف المؤمنين.
شهدت الكنيسة أحداثًا بارزة، في عهده من بينها تجلي السيدة العذراء في كنيسة الزيتون عام 1968، وهو الحدث الذي جذب أنظار العالم، كما تم بناء الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، واستعادة رفات القديس مار مرقس الرسول إلى مصر.
ولم يقتصر دوره على الجانب الروحي فقط، بل امتد إلى دعم القضايا الوطنية، حيث ساند الدولة في فترات دقيقة، خاصة بعد نكسة 1967، وكان على علاقة قوية بالرئيس جمال عبد الناصر.
البابا شنودة الثالث.
معلم الأجيال وصوت الكنيسةمع تولي شنودة الثالث المسؤولية، دخلت الكنيسة مرحلة جديدة عنوانها" الفكر والتعليم"، وُلد نظير جيد روفائيل عام 1923 وتخرج في كلية الآداب قبل أن يتجه إلى الحياة الرهبانية، ليجمع بين الثقافة المدنية واللاهوتية.
تميز البابا شنودة بقدرته الفائقة على التواصل، سواء من خلال عظاته الأسبوعية أو كتاباته التي تجاوزت 150 مؤلفًا، ما جعله أحد أبرز المفكرين المسيحيين في العصر الحديث.
قاد الكنيسة لمدة تجاوزت 40 عامًا، وهي من أطول الفترات في تاريخ البطريركية، وشهدت توسعًا كبيرًا في الداخل والخارج، حيثُ انتشرت الكنائس القبطية في أوروبا وأمريكا وأستراليا، كما عزز العلاقات المسكونية مع مختلف الكنائس في العالم، بالإضافة إلى انه كان له حضور وطني قوي.
كما ساند البابا شنودة الثالث الدولة في حرب أكتوبر 1973، إذ لم يكن مجرد قائد دين بل كان صوتًا وطنيًا بارزًا، عبر عن قضايا الوطن، واشتهر بمقولته الخالدة: " مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا".
البابا تواضروس الثاني.
الإدارة الحديثة والانفتاح العالمييمثل تواضروس الثاني نموذجًا مختلفًا في القيادة، يجمع بين الروحانية والإدارة الحديثة، وُلد وجيه صبحي باقى سليمان عام 1952 ودرس الصيدلة، قبل أن يتجه إلى الرهبنة، وهو ما منحه خلفية علمية ساعدته في تطوير الأداء المؤسسي للكنيسة.
منذ جلوسه على الكرسي البابوي عام 2012، ركز البابا تواضروس على إعادة هيكلة العمل الكنسي، من خلال إصدار لوائح تنظيمية وتطوير التعليم الكنسي وإنشاء مراكز إعلامية، إلى جانب الاهتمام بالتكنولوجيا والتحول الرقمي.
كما شهد عهده توسعًا في المشروعات التعليمية والاجتماعية، واهتمامًا خاصًا بذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى إطلاق قنوات إعلامية ومنصات رقمية تخاطب الأجيال الجديدة.
على الصعيد الوطني، لعب دورًا مهمًا في دعم استقرار الدولة، خاصة خلال أحداث ثورة 30 يونيو 2013، وشارك في العديد من الفعاليات الرسمية، وكان حاضرًا في مشهد بناء الجمهورية الجديدة، إلى جانب الرئيس عبد الفتاح السيسي.
كما عزز علاقات الكنيسة مع العالم، من خلال زيارات دولية ولقاءات مع رؤساء دول وشخصيات عالمية، ما جعل الكنيسة القبطية عاملًا مؤثرًا في الحوار الديني والثقافي عالميًا.
بين الروح والتعليم والإدارة.
ملامح ثلاثية متكاملةعند النظر إلى مسيرة البابوات الثلاثة، نجد أن كل منهم أضاف بُعدًا مختلفًا، لكنه مكمل للآخر، فالبابا كيرلس السادس رسخ الحياة الروحية، والبابا شنودة الثالث بنى الإنسان بالفكر والتعليم، بينما جاء البابا تواضروس الثاني ليطور الإدارة ويواكب العصر.
تعكس هذه الثلاثية قدرة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على التكيف مع التغيرات دون أن تفقد هويتها، بل استطاعت أن تحافظ على جذورها الممتدة منذ القرن الأول وفي الوقت نفسه تنفتح على العالم الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك