منذ سريان الهدنة ليل 16 – 17 إبريل/نيسان الماضي، عمّقت إسرائيل توغلاتها البرية في الجنوب اللبناني، حيث تواصل اعتداءاتها اليومية على القرى الحدودية، وتكّثف غاراتها بشكل أساسي على مدن رئيسية من أبرزها النبطية وصور، في استمرار لعمليات التهجير والتدمير لمبانيها ومعالمها التاريخية وأسواقها القديمة.
وبالتزامن مع الاعتداءات اليومية في الجنوب، أعلن الاحتلال الإسرائيلي سيطرته على قلعة الشقيف، وهي مصنّفة رسمياً تحت بند" الحماية المعزّزة" بموجب البروتوكول الثاني لعام 1999 الملحق باتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، وذلك في عام 2024.
بدوره، سلّم وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة مذكرة خطية للمدير العام لمنظمة اليونسكو يوم الجمعة الماضي، تضمنت تفاصيل المخاطر الجسيمة التي تهدد هذه المواقع في لبنان نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، مطالباً بدعم المنظمة لحمايتها وفق اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح.
الارتجاجات الناتجة من الانفجارات تؤدي إلى تصدّعات في الآثاريوثق" استديو أشغال عامة"، وهي مؤسسة لبنانية للأبحاث في قضايا العمران والعدالة المكانية، يومياً الاعتداءات الإسرائيلية على أراضي لبنان وسكانه، بهدف حفظ الحقوق وبناء الملفات القانونية اللازمة للمحاسبة ولو كانت مؤجلة بموجب القانون الدولي.
ويوضّح القائمون على الاستديو، في حديث لـ" العربي الجديد" بأن الاعتداءات على صور منذ بداية الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تنل من النسيج العمراني، بل تصيب البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المدينة التي تضم مواقع أثرية مدرجة على لائحة التراث العالمي.
ورغم أن النواة الأساسية للمواقع الرومانية والفينيقية لم تصب بشكل مباشر، لكن الغارات العنيفة استهدفت مباني وأحياء تراثية قديمة ملاصقة ومحيطة بالموقع الأثري المباشر، مثل منطقة المينا لجهة الجامعة الإسلامية، أو حي الآثار في منطقة البصّ، ما أدى إلى تضرر أبنية تاريخية عثمانية وبيوت قديمة محيطة بفعل الانفجارات وعصفها.
ويشير الاستديو أيضاً إلى أن مدينة النبطية استهدفت منذ بداية الحرب، وتعرض سوقها القديم التاريخي الذي يعود للعصرين المملوكي والعثماني إلى دمار كبير، كما استهدف ودمّر أكثر من مبنى تراثي، مثل دارة آل شاهين في حي الميدان، وحي السرايا التراثي الذي يحوي عمارات تراثية وبيوتات عتيقة ومحال تجارية ومسجداً قديماً تعرض جزء كبير منه للتدمير".
تضرر أبنية تاريخية عثمانية وبيوت قديمة في مدينة صوروتبعاً للاستديو، " لا يمكن إلا التوقف كذلك عند استهداف قلعة الشقيف التي تقع على أرض أرنون القريبة من النبطية، والتي تعرضّت أسوارها وأجزاء من تحصيناتها التاريخية لأضرار كبيرة قبل أن يعلن الإسرائيلي احتلالها منذ أيام، علماً أنها تتمتع بالحماية المعززة من اليونسكو، كما أن استهداف النبطية التي تعتمد بشكل كبير على السياحة الثقافية والتاريخية والأسواق التراثية يقطع شريان الحياة الاقتصادي للمناطق ويجعل العودة إلى الحياة الطبيعية والنشاط التجاري والسياحي بعد انتهاء الحرب صعباً ويحتاج إلى وقت".
يعتبر" استديو أشغال عامة" أن الهوية التاريخية والحضارية للجنوب كلّه تتعرّض منذ بداية الحرب الإسرائيلية لعملية تدمير غير مسبوقة، وخطورة الدمار تتعدى مجرد خسارة المباني الحجرية، بل تطاول طمس الهوية الثقافية والذاكرة الجماعية، فهذه المعالم شواهد على تعاقب الحضارات الفينيقية والرومانية والبيزنطية والمملوكية والعثمانية في الجنوب، وتدميرها بمثابة محو لذاكرة المكان وتجريد السكان من ارثهم التاريخي المشترك.
وينبّه الاستديو إلى أنه إضافة إلى الهدم والأضرار المباشرة، فإن الارتجاجات الناتجة من الانفجارات بالقرب من هذه المعالم والمباني قد يؤدي إلى تصدّعات داخلية، لا تأثير فورياً لها، لكن قد تسرّع انهيارها مستقبلاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك