لم تأتِ آن هيلين ميرفولد إلى هذه المنطقة من ضواحي العاصمة النرويجية أوسلو، لمجرد تجميل مجرى نهر جيرسرودبيكن في مساره المتعرج عبر الغابات نحو المضيق البحري، بل جاءت مدفوعة بشعور نرويجي عميق بالواجب وبالمجتمع والمسؤولية.
صحيح أن ما تفعله يبدو كعملية تنظيف عادية، حيث تزيل كل شيء من إطارات السيارات إلى الدرّاجات البخارية من مسار النهر، مع تقديم حلوى للجميع بعد ذلك، لكنها بجانب أصدقائها من جامعة قريبة، يقومون بأمور كهذه منذ مرحلة الروضة، حيث ينظفون الأحياء، ويقيمون حملات خاصة ببيع المخبوزات لتمويل الفِرَق الرياضية.
إن ذلك يدخل ضمن ما يُسمى في النرويج بـ«الدوغناد»، الذي يعني التطوع ببُعد اجتماعي ولأهداف محددة، إنه ليس مجرد نشاط، بل العقلية الكامنة وراء ما يقوم به هؤلاء المتطوعون.
وفي وقت يرى علماء الاجتماع أن نسيج المجتمعات في الغرب يتآكل، مع تراجع دور الكنائس والمنظمات المجتمعية، وتضاؤل الروابط عبر الخطوط الديموغرافية، فإن «الدوغناد» يُمثّل نوعاً من الترياق.
لا أحد هنا ينكر أن «الدوغناد» هو السبب وراء احتلال النرويج باستمرار مرتبة متقدمة بين أكثر دول العالم ثقة، وأنه يؤدي دوراً رئيساً في ذلك، فهذا النوع من التطوع يُشكّل قوة ترابطية بسيطة وشاملة في آن واحد، تمنح النرويجيين ليس فقط إحساساً بفعل الخير، وإنما بفعل الخير معاً.
وتقول ميرفولد: «الخروج لتنظيف المكان وجعله يبدو جميلاً أمر مهم، ويبدأ في سن مبكرة، ويتعلم الفرد القيام بذلك ويحبه، ويسهم ذلك في بناء الفريق».
وتعود جذور هذا التقليد إلى تاريخ النرويج كدولة فقيرة من صغار المزارعين والصيادين.
وعندما كانت هناك حاجة إلى بناء كنيسة أو جسر، أو كان أحد الجيران يبني حظيرة، كان الجميع يجتمعون لمساعدة بعضهم بعضاً.
ويقول الأستاذ في معهد البحوث الاجتماعية في أوسلو، كارل هنريك سيفيسيند، الذي درّس مثل هذه التقاليد: «كان ذلك نوعاً من التأمين الاجتماعي أو تعبئة الموارد، وكان مشبعاً بشعور بالعدالة»، مضيفاً: «إنه ليس لمصلحتك الخاصة، أنت تسهم، والجميع يسهم أيضاً».
اليوم، يحزن علماء الاجتماع حول العالم على فقدان «رأس المال الاجتماعي»، المتمثّل في الروابط المجتمعية التي تُعزّز الثقة، وتجلب فوائد أوسع للجميع.
ويوضح سيفيسيند، أن «الدوغناد» يُعدّ بمثابة حاضنة لرأس المال الاجتماعي، قائلاً: «إذا نظرنا إلى كلمة (الدوغناد) نفسها، فسنجد أنها تنطوي على عنصر اجتماعي، حيث إن جذورها اللغوية تشير إلى مفهوم الفضيلة».
ويضيف: «أنت تسهم في تلبية احتياجات المجتمع، وتلتقي مع أشخاص، وتبني شبكات علاقات، وتتعرّف إلى جيرانك».
تنظم حملة تنظيف نهر «جيرسرود» من قبل منظمة «روسكن»، التابعة لمجلس مدينة أوسلو التي تنظم حملات تنظيف تطوعية، وتحتفل هذا العام بالذكرى الـ50 لتأسيسها.
وسجلت ميرفولد اسمها مع أصدقاء عدة يدرسون في جامعة علوم الحياة النرويجية القريبة، وينتمون إلى مجموعة تُسمى «أنوثة ورُقي».
وتقول المتطوعة العضو في المجموعة، ساني ماري تاملغ فرولاند: «يبدو الأمر أفضل بعد كل يوم تطوعي».
وإضافة إلى المشاركة في «الدوغناد»، يجمع المتطوعون الأموال للأعمال الخيرية.
وفي الوقت الحالي، يدعمون مجموعة تقدم المساعدة الطبية في إفريقيا.
بالنسبة لجميع الشابات اللواتي يرتدين سترات برتقالية زاهية وقفازات سميكة، فإن المشاركة في «الدوغناد» هي مجرد جزء من كونهن نرويجيات، وعادة ما ينطوي ذلك على عنصر من المرح، سواء من خلال تقديم الفطائر للعمال في مواقع الإنشاءات أو تنظيم حفل شواء لأطفال المدارس.
في الجانب الآخر من المدينة، تنظم أكبر جمعية للمشي والأنشطة الخارجية في النرويج فعالية «الدوغناد» الخاصة بها، بما في ذلك شواء أسياخ السجق.
وتُعدّ جمعية الرحلات النرويجية من أكثر المجموعات شعبية في البلاد، حيث تعمل على صيانة المسارات والمنازل الخشبية لمحبي الطبيعة في البلاد، وفي يوم صحو، قام متطوعو الجمعية بنشاط خاص في ملعب بحي بيروم السكني، وكان الهدف تعليم الأطفال المحليين مهارات الحياة البرية، مثل الإسعافات الأولية، وأحضر العديد من الأطفال دمى محشوة للتدرب عليها، وهي أيضاً فرصة للجيران للالتقاء والتحدث.
بينما يتجمع الآباء والأطفال حول النار، تصدر أصوات طهي النقانق، ويتجول المتطوعون الذين يرتدون سترات حمراء، وهم يتحدثون ويجهزون العرض التقديمي المجاني لأي شخص يرغب في الحضور، وتقول ماريا رود التي أحضرت ابنتها البالغة من العمر سبع سنوات إلى أحد الأنشطة، إنها تقوم بمثل هذه الفعاليات «منذ سنوات طويلة»، وتضيف أن المهرجانات المحلية للأطفال، وحملات تنظيف الأحياء بجانب أنشطة أخرى توفر مهمة يمكن للأطفال القيام بها، كما أن تنظيم احتفالات يوم الاستقلال النرويجي الشهير في 17 مايو أصبح ممكناً بفضل «الدوغناد».
تعترف رود بأنها أحياناً لا تكون لديها رغبة في العمل التطوعي، سواء كان ذلك للتخطيط للألعاب أو إعداد الطعام، لكن ترى أن هناك فائدة أكبر.
وتقول إن «الجانب الجيد هو الجانب الاجتماعي، حيث نجتمع معاً ونتشارك العمل كبشر، نشعر أننا جزء من شيء أكبر»، موضحة: «نحن بحاجة إلى ذلك لجعل حياتنا ذات معنى».
ويقول البعض إن هذه الحاجة تزداد أهمية يوماً بعد يوم، ومنهم كريستين سانداكر، التي استعرضت الأنشطة التطوعية التي شاركت فيها على مر السنين، حيث تتذكر أنها قطعت 24 ألف خطوة في إحدى أسواق السلع المستعملة لدعم «أوركسترا» شبابية محلية، وذلك بمجرد حمل الأغراض من مكان إلى آخر.
وتبتسم قائلة: «أستطيع القول إن تلك كانت واحدة من أفضل رحلات المشي في العام».
وتوضخ سانداكر أن «(الدوغناد) بمثابة ثقل موازن، فهناك روح من التآخي تنشأ من المشي 24 ألف خطوة، أو الوقوف في الوحل حتى الكاحل مع شخص آخر».
وتضيف: «الدليل الأكثر وضوحاً على ذلك، هو أننا نستطيع القيام بالأشياء معاً، لكن في ظل الوضع الحالي، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية مع اجتماع الناس بهذه الطريقة».
عن «كريستيان ساينس مونتور».
«الدوغناد» يعني العمل التطوعي ببُعد اجتماعي ولأهداف محددة، ولا يُعدّ مجرد نشاط فقط، بل العقلية الكامنة وراء ما يقوم به المتطوعون.
جذور تقليد «الدوغناد» تعود إلى تاريخ النرويج كدولة فقيرة من صغار المزارعين والصيادين، حيث كان الجميع يجتمعون لمساعدة بعضهم بعضاً.
أعربت المتطوعة، كريستين سانداكر، عن قلقها من تزايد القوى التي من شأنها أن تقسم النرويج، مشيرة إلى أن الاستقطاب السياسي، الذي يُشكّل جزءاً كبيراً من السياسة الأوروبية، له موطئ قدم في النرويج أيضاً.
وأضافت أن يمكن تؤدي الهجرة، من دون قصد، إلى زيادة مخاطر انفصال المجتمعات المختلفة عن بعضها بعضاً وتباعدها.
أنشطة مختلفة تسهم في توفير النفقاتخلال تنظيم أحد مخيمات «الدوغناد ».
أرشيفيةأصبح مصطلح «الدوغناد» اليوم يُشير إلى العمل التطوعي غير مدفوع الأجر، الذي يتم القيام به جماعياً من أجل قضايا محلية أو وطنية أو دولية.
وقد ترسّخ هذا المصطلح في النرويج المعاصرة، لدرجة أنه تم اختياره «كلمة العام» في النرويج عام 2004.
وتقول إحدى المتطوعات، هان هوف: «شاركت في أربعة نشاطات لـ(الدوغناد) مختلفة خلال الأسبوع الماضي، منها المشاركة في فِرَق كرة قدم ينتمي إليها أطفالي»، وتضيف: «في الأسبوع المقبل، سنقوم بـ(الدوغناد) في حديقة العمل».
ولا ترى هوف أي مشكلة في العمل من دون أجرة، موضحة: «هذا يقربنا نحن الآباء من بعضنا بعضاً، ومن الرائع أن نتمكن من القيام بشيء معاً من أجل أطفالنا».
في المناطق الحضرية بالنرويج، ترتبط كلمة «الدوغناد» عموماً بالتنظيف الربيعي في الهواء الطلق، والعمل في الحدائق بالمجمعات السكنية.
كما أن «الدوغناد» نشاط شائع في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية لإتمام أنواع مختلفة من أعمال الصيانة، أما في المناطق الريفية، فيساعد الجيران أحياناً بعضهم بعضاً في إصلاح المنازل أو المرائب، لكن عندما يتعلق الأمر بالرياضة، يحضر جميع الآباء في البلاد تقريباً لدعم أنشطة أطفالهم.
يمكن أن تساعد هذه الأنشطة الجماعية المرتبطة بالرياضة، الفِرَق الصغيرة على توفير النفقات التي قد يضطر الأعضاء إلى تحملها بأنفسهم لولا ذلك، مثل كُلفة النقل والمشروبات في فترة الاستراحة أو كُلفة المسؤولين، كالحكام ومسعفي الإسعافات الأولية بجانب الملعب.
وهذا يعني أن «الدوغناد» أصبح مورداً حيوياً للفِرَق الرياضية، ونظراً إلى طبيعته الاجتماعية والترفيهية والتطوعية، يُنظر إليه على أنه عامل يُعزّز روح الجماعة داخل الفريق.
وعلى الرغم من أن عدد سكان النرويج لا يتجاوز 5.
3 ملايين نسمة، فإن النرويجيين يفخرون كثيراً بتحقيق أرقام عالمية قياسية.
وكانت الاستفادة من روح «الدوغناد» جزءاً لا يتجزأ من كل أكبر بطولة كرة قدم للشباب في العالم، وأكبر حملة تبرعات خيرية عبر التلفزيون في العالم.
وتقول رئيسة الحملة التلفزيونية الخيرية، فيبيكي أوستبي: «يجعلك (الدوغناد) تشعر بأنك شخص طيب، ويجعل العالم مكاناً أفضل»، مضيفة: «بالطبع المبلغ الذي يتم جمعه مهم، لكن الأهم هو إشراك النرويجيين والعمل معاً من أجل قضية أكبر منهم».
عاشت النرويج تجربة غير متوقعة تماماً، عندما استخدمت الرئيسة التنفيذية المُعينة حديثاً لمؤسسة «إنوفيشن نورواي»، أنيتا كرون تراسيث، مفهوم «الدوغناد» لإضفاء طاقة جديدة على هذه المؤسسة الحكومية التي كانت تعاني بعض الركود.
عمل موظفو المؤسسة مع كل من أراد المشاركة، على مشروعات تتعلق بكيفية استعداد النرويج كدولة لـ«ما بعد النفط»، وكان هذا مثالاً جيداً على قوة «روح (الدوغناد)»، حيث يعمل الأشخاص معاً لإيجاد عبقرية تعاونية، ويحققون إنجازات عندما يتعلق الأمر بوضع أفكار جديدة، وتشجيع روح المبادرة، وفي الوقت نفسه يعزّزون نظرة أكثر تفاؤلاً للمستقبل.
وظهرت مبادرة أخرى من مؤسسة «هورتيغروتين»، وهدفها جمع الأموال، وزيادة الوعي، والإسهام في حماية الطبيعة الهشة والثقافة الفريدة في المناطق التي يزورها متطوعو المؤسسة، وتشمل هذه المناطق، القطب الشمالي، والقطب الجنوبي، والساحل النرويجي، وأطلقت المؤسسة مبادرات حمائية عدة في جميع أنحاء العالم، وتتمثّل الخطة في تحفيز وإعلام الضيوف في المناطق الطبيعية الحساسة في النرويج، وتحويلهم في النهاية إلى سفراء بيئيين.
وقال الرئيس التنفيذي لـ«هورتيغروتين»، دانيال سكيلدام: «الآن يتحد الضيوف والموظفون ومالكو (هورتيغروتين) لبدء حملة عالمية من أجل البيئة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك