يعد دعاء الاستفتاح في الصلاة أحد السنن المأثورة والواردة بشكل مكثف في الهدي النبوي الشريف، والتي يحقق بها المصلي الطمأنينة والخشوع في مستهل وقوفه بين يدي الله عز وجل.
وعلى الرغم من أهمية هذا الدعاء وعظيم أثره في طرد وساوس الشيطان وزيادة التركيز وتدبر الآيات، إلا أن الكثير من المصلين قد يغفلون عنه أو يجهلون الأحكام الفقهية الدقيقة المتعلقة به والصيغ المتنوعة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى الأحكام المتعلقة بكيفية إدراك المأموم لتكبيرة الإحرام مع الإمام وموقف من فاتته الركعات الأولى.
الحكم الفقهي لدعاء الاستفتاح وموقف المذاهب الأربعةاتفقت جماهير أهل العلم والفقهاء على أن دعاء الاستفتاح في الصلاة هو سنة مستحبة وليس أمرًا واجبا، وبالتالي فإن المصلي إذا تركه أو نسيه فإن صلاته صحيحة تمامًا ولا حرج عليه ولا يلزمه سجود سهو.
وقد أشار الفقهاء إلى أن الدليل على عدم وجوبه هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤه سرًا في صلاته ولم يبادر بفرضه أو تعليمه للصحابة كأمر حتمي، حتى سأله أبو هريرة رضي الله عنه عما يقوله في فترة سكوته بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، فحينها علمه النبي صلى الله عليه وسلم تلك الكلمات، فلو كان الفارق واجبًا ومحددًا لبينه النبي للأمة دون انتظار للسؤال.
ومع ذلك، فقد تباينت نظرة المذاهب الأربعة وتفصيلاتها حول هذا الاستحباب ومواضعه على النحو التالي:رأي الأئمة الثلاثة (الحنفية والشافعية والحنابلة)ذهبوا في المعتمد عندهم إلى أن دعاء الاستفتاح سنة مؤكدة يُندب الإتيان بها في الصلوات.
تميز المشهور عند المالكية بنظرة مختلفة؛ حيث يرون أن دعاء الاستفتاح مكروه في صلاة الفريضة ومستحب فقط في صلاة النافلة والتطوع.
• رواية عن الإمام أحمد: وردت رواية عن الإمام أحمد بن حنبل تفيد بوجوب دعاء الاستفتاح، إلا أن المذهب المعتمد والمستقر عند الحنابلة هو الاستحباب كقول الجمهور.
صيغ أدعية الاستفتاح المتنوعةأوردت السنة النبوية المطهرة صيغًا متعددة ومتنوعة لدعاء الاستفتاح، وهو ما أتاح متسعًا للفقهاء للاختيار، حيث اعتمد كل مذهب فقهي صيغة محددة يراها الأفضل أو الأقرب للأدلة، ويجوز للمصلي اتباع أي صيغة يراها مناسبة وسهلة له:• عند السادة الحنفية: الصيغة المعتمدة هي: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
وقيل إنه يجوز الجمع بينها وبين صيغة" وجهت وجهي.
" والجمع بينهما أفضل.
الصيغة هي: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين".
يفضلون صيغة: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين؛ لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين".
اعتمدوا صيغة الثناء: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، مع إجازة الإتيان بالصيغة المعتمدة عند الشافعية.
يرى العلماء أن اختيار موضع دعاء الاستفتاح في بداية الصلاة وقبل الشروع في قراءة سورة الفاتحة يحمل أسرارًا تعبدية عميقة، ومنها:1.
التقدمة بين يدي الملك: بما أن الفاتحة هي مناجاة مباشرة بين العبد وربه، فإن دعاء الاستفتاح بمثابة التوطئة والتحضير الدبلوماسي الروحي قبل الدخول في المناجاة الكبرى.
2.
إزالة الكبر والزهو تحتوي بعض الصيغ على اعتراف صريح بالخطايا والذنوب، مما يكسر حدة العُجب في النفس الإنسانية ويحقق الانكسار والذل الخالص لله تعالى، وهو لب العبادة ومقصدها.
3.
ترسيخ التوحيد والثناء:تكرار كلمات مثل" وجهت وجهي" يجدد في نفس المصلي مبدأ التوحيد الخالص، كما أن المدح والتعظيم في" تعالى جدك" يربي المؤمن على إجلال الخالق سبحانه ونفي النقائص عنه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك