بخطوات خجولة، وبعد مرحلة من التباعد، تقدم ألبرتو سيريزو نحو الجنرال آسيمي غويتا ممسكا بخطاب الاعتماد في باماكو، معلنا عن" بدء مرحلة جديدة في العلاقات".
هذا البروتوكول يُقرأ اليوم كتحول هادئ في مقاربة بروكسل لأحد أعقد ملفات الساحل الأفريقي سياسيا وأمنيا؛ ففي الدبلوماسية هنا تبدو محاولة لإعادة الإمساك بخيوط نفوذ تآكلت في السنوات الأخيرة لصالح فاعلين جدد، وعلى رأسهم روسيا، وشبكة تحالفات" تحالف الساحل" بين مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو.
رغم أن مالي كانت ضمن الجغرافيا التقليدية للنفوذ الفرنسي، الذي شكل الوجه الأبرز لأوروبا في الساحل بفعل الحقبة الاستعمارية، فإن علاقات الطرفين شهدت في السنوات الأخيرة قطيعة فعلية.
جاءت هذه القطيعة على وقع موجة الانقلابات العسكرية التي عرفتها البلاد، حيث لم يلتزم الحكام الجدد بخارطة الطريق التي كان من المفترض أن تنهي المرحلة الانتقالية لصالح سلطة مدنية منتخبة.
هذا الإخلال رافقته انتقادات أوروبية واسعة النطاق بشأن أوضاع حقوق الإنسان وتراجع الحريات، ما دفع باماكو إلى تبني خطاب سيادي متشدد بلغ حد طرد السفير الفرنسي، وتقليص الوجود العسكري الأوروبي، وإنهاء مهام بعثة تدريب القوات المسلحة المالية (EUTM).
في المقابل، اتجهت السلطات الانتقالية إلى توثيق تعاونها الأمني مع موسكو، بما في ذلك تكريس حضور مجموعة فاغنر ولاحقا الفيلق الروسي في المشهد العسكري المالي، وهو تطور قرأته العواصم الأوروبية بوصفه تهديدا مباشرا لنفوذها التقليدي في الساحل، وتعبيرا عن تحول أعمق في بوصلة التحالفات الإقليمية.
أوروبا ترى أن سياسة الإدانة والعقوبات وحدها لم تؤد إلى تغيير سلوك المجلس العسكري، بل ساهمت في دفع مالي نحو أحضان شركاء منافسين، ما استدعى مقاربة أكثر براغماتية تحفظ الحد الأدنى من الحضور الأوروبيالاتحاد الأوروبي بين واقعية جيوسياسية وضغط القيمحين يعلن الاتحاد عن" مرحلة جديدة"، فإنه لا يتخلى عن خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان بقدر ما يعيد ترتيب أولويات هذا الخطاب وفق اعتبارات القوة والمصالح.
أوروبا ترى أن سياسة الإدانة والعقوبات وحدها لم تؤد إلى تغيير سلوك المجلس العسكري، بل ساهمت في دفع مالي نحو أحضان شركاء منافسين، ما استدعى مقاربة أكثر براغماتية تحفظ الحد الأدنى من الحضور الأوروبي في ملفات الأمن والهجرة والتنمية.
فالساحل ليس مجرد هامش جغرافي لبروكسل، بل هو بوابة هجرة غير نظامية، وخزان تهديدات إرهابية عابرة للحدود، ومجال تنافس إستراتيجي مع روسيا والصين وتركيا وقوى إقليمية أخرى.
من هنا يصبح الانفتاح الدبلوماسي الجديد محاولة لتقليل الخسائر، وربما استعادة موطئ قدم، أكثر منه تعبيرا عن رضا حقيقي عن المسار السياسي في باماكو.
في المقابل، يدرك المجلس العسكري في مالي أن الحفاظ على هامش مناورة بين موسكو وبروكسل وغيرهما هو جزء من" عقيدة السيادة" التي يتبناها منذ القطيعة مع فرنسا.
فالميل المفرط إلى محور واحد يرفع كلفة الاعتماد الأمني والاقتصادي، ويجعل البلاد أكثر هشاشة أمام تغير المزاج الدولي أو الأزمات الداخلية في دولة الشريك.
لذلك يمكن قراءة قبول أوراق اعتماد سفير الاتحاد الأوروبي ليس كعودة إلى" بيت الطاعة الأوروبي"، بل كترسيم لسياسة تعدد الشركاء، حيث تتحول باماكو من موقع المتلقي للسياسات الغربية إلى طرف يناور بين العواصم، مستفيدا من التنافس على النفوذ في الساحل.
في هذه المعادلة، يراهن غويتا ورفاقه على أن حاجة أوروبا إلى التعاون الأمني وفي مجال الهجرة ستجعل من الصعب على بروكسل العودة إلى لغة العقوبات القصوى التي جربت ولم تحقق ما كان مرجوا منها.
المطلوب اليوم من بروكسل، إن أرادت أن تمنح" المرحلة الجديدة" مضمونا حقيقيا، هو مزيج أكثر توازنا بين الاستثمار في التنمية المحلية، واحترام حساسيات السيادة الوطنية التي نجحت السلطات إلى حد ما في تسويق قداستهاألبرتو سيريزو: قناة تفاوض بأجندة مزدوجةبعد فترة طويلة من القطيعة، عاد ألبرتو سيريزو إلى باماكو بصفته سفيرا للاتحاد الأوروبي، في خطوة تهدف إلى فتح قناة مؤسسية تتيح للطرفين إدارة خلافاتهما.
هذه العودة تأتي عقب سنوات من التوتر المتبادل الذي وصل إلى حد سحب أو تقليص التمثيل الدبلوماسي.
دور سيريزو لا يقتصر على إعادة إحياء الخطاب الدبلوماسي التقليدي، بل يُنظر إليه كاختبار حقيقي لقدرة الاتحاد الأوروبي على التوفيق بين تمسكه بقيمه من جهة، ومتطلبات التعاون الأمني والاقتصادي من جهة أخرى.
ومن المتوقع أن يعمل على محورين متوازيين: الأول يتمثل في طمأنة السلطات في باماكو بأن بروكسل لا تستهدف إسقاط المجلس العسكري, بل تسعى إلى الدفع نحو مسار انتقالي واضح، أما الثاني فيرتبط بإعادة إدماج مالي تدريجيا في برامج الدعم الأوروبية، خاصة تلك المتعلقة بالتنمية والبنية التحتية وإدارة الحدود ومكافحة الإرهاب.
ويبقى نجاح هذه المهمة مرهونا بمدى قدرة السفير على كسب ثقة النخب السياسية والعسكرية التي لا تزال متحفظة تجاه ما تعتبره" وصاية غربية"، وكذلك بمدى استعداد الاتحاد الأوروبي لتقديم حوافز ملموسة تتجاوز الخطاب الدبلوماسي التقليدي.
في اللحظة التي تتحدث فيها بروكسل عن" مرحلة جديدة"، هي نفسها لحظة إعادة تشكيل عميقة في غرب أفريقيا، مع بروز تحالفات إقليمية جديدة تسعى إلى بناء استقلال أمني عن الشركاء الغربيين، كما في التحالف بين مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو (تحالف لبتاكو غورما).
في هذه البيئة، لن يكون أمام الاتحاد الأوروبي ترف العودة إلى مقاربة أمنية صرفة قائمة على نشر قوات أو بعثات تدريب، بعد أن أثبتت التجربة محدوديتها أمام تعقيد المشهد المحلي، وتداخل الانقلابات مع التمردات المسلحة والنزاعات العرقية.
المطلوب اليوم من بروكسل، إن أرادت أن تمنح" المرحلة الجديدة" مضمونا حقيقيا، هو مزيج أكثر توازنا بين الاستثمار في التنمية المحلية، واحترام حساسيات السيادة الوطنية التي نجحت السلطات إلى حد ما في تسويق قداستها، والبحث عن صيغ تعاون أمني لا تعيد إنتاج صورة" الوصي الخارجي" التي صبت في السنوات الماضية في مصلحة خصومها الجدد.
أما بالنسبة للمجلس العسكري في باماكو، فإن اختبار النضج سيكون في قدرته على تحويل هذا الانفتاح الأوروبي إلى فرصة للتخفيف من عزلة دولية خانقة، دون التفريط في حق الماليين في انتقال سياسي حقيقي، وهو ما سيظل السؤال المؤجل في كل مفاوضات" المرحلة الجديدة" حسب التعبير الأوروبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك