حاجني صديق في علامات الترقيم والوقف، فاجتهد في تجريدها من" المصداقية"؛ محتجا بأن العربية غنية عنها بمقدار افتقار الفرنسية إليها، وضرب لذلك أمثلة وأقام عليه شواهد، وكاد ينزع عن مستعملها -عند الكتابة بالحرف العربي- صفة الأصالة، ويلبسه تهمة التشبه بأهل" الرطانة"، وتقليد الأعجميين!
فأمهلته حتى أفرغ دلو جداله واستنفد بطارية اندفاعه.
ثم قلت له: هون عليك فإنما مثل علامات الترقيم كمثل قطع الزينة وعناصر الحلي (التقليدية) من قرط، وعقد، وقلب، وخاتم.
فإنها أشياء ليست من جنس الجسد، ولكنها تزين العضو الذي تحليه وتضفي عليه تقاسيم جذب وومضات بريق.
فكذلك علامات الترقيم؛ هي للفقرات المكتوبة زينة وحلية، غير أنها ليست من جنس النص؛ فما هي من أسرة الحروف ولا هي من عائلة الحركات، اللتين تدور عليهما الكتابة: إملاء وتشكيلا.
فأطرق صديقي، ثم سكت، ثم مسح رأسه، ثم سأل عن الساعة، وترك الفاصلتين: المهملة، والمنقوطة، وأقواس التنصيص، والـ" بين ظفرين".
وأخواتها!هذا عن علامات الترقيم التي منها" الظفران"، وهما داخلان في باب المجاز المرسل، الذي علاقته الكلية (حسب تعبير البلاغيين)؛ ذلكم بأنهما -في الرمز الشكلي-" قلامتان"؛ لا ظفران، عبر بالكل عن الجزء، مثلما عبر عن وضع الأنامل في الآذان بجعل الأصابع فيها؛ كناية عن المبالغة في الإعراض ورفض الاستجابة في الآية: {جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم}!لقد أدخل بعض أهل العلم تركيب الأظافر الاصطناعية تحت حكم الوصل (قياسا على وصل الشعر)، وعدوه مخالفة شرعية مغلظة بتغيير خلق الله (إن كان لغير ضرورة معتبرة)، مع ما يترتب عليه -عند الطهارة المائية- من انتفاء الإسباغالأظافر المركبة.
نشاز اصطناعيوعلى ذكر الأصابع سأنتقل -الآن- من" الظفرين" إلى الأظافر، مراعاة للعنوان أعلاه، ولست أعني -هنا- الأظافر التي هي من جنس الجسد؛ بل أعني تلك الطويلة المركبة، التي تشبه علامات الترقيم من حيث الاستقلال والاصطناع، وتختلف عنها بالشناعة والفظاعة، والتكلف في التطرية، وكلما قرأت عن تلك الموضة -أو رأيت صورة لها- تذكرت شيخا فكها دمثا، من ظرفاء قريتنا، حدثني -ذات مجلس- فذكر أنه كان مع قريب له في سفر، وكانا يركبان بعيرين، على أحدهما راحلة قال محدثي إنها كانت" أطول من البعير نفسه"! وهذه -لا جرم- مبالغة منه في وصف الراحلة بالطول البين!وليس يخفى -على كل ذي عينين- ما تحت منظر تلك الأظافر من نشاز يجافي الفطرة ولا يناسب" الإنسانية"؛ لما يبعث في الذهن -ويلقي في الروع- من لوازم الحيوانات المفترسة (المخالب)، وقد جمعت تلك" الموضة" بين الوصل المنهي عنه شرعا وبين" الإطالة" التي تغضب الشرع ولا ترضي الطبع؛ لأن قص الظفر من خصال الفطرة، التي دعت لها الشريعة وبوب عليها الفقه!بل لقد أدخل بعض أهل العلم تركيب الأظافر الاصطناعية تحت حكم الوصل (قياسا على وصل الشعر)، وعدوه مخالفة شرعية مغلظة بتغيير خلق الله (إن كان لغير ضرورة معتبرة)، مع ما يترتب عليه -عند الطهارة المائية- من انتفاء الإسباغ، وعدم وصول الماء إلى عموم العضو!إن استنشاق المواد الداخلة في تركيب الظفر الاصطناعي قد تترتب عليه أضرار على مستوى الجهاز التنفسي، مثلما أن استنشاق غبار الطباشير تترتب عليه آثار تنفسيةشاشة حماية أم قناع موضة؟ !وإني كلما تذكرت تلك المبالغة الوصفية في حديث الشيخ الدمث -الذي ذكرت آنفا- تمثلت في ذهني صورة الأظافر الطويلة الغريبة، التي وضع لها خبراء الطب المتخصصون شروطا وحدوا لتركيبها ضوابط، ثم حذروا" مخضوبات البنان" من تعدي حدودهم وتجاوز ضوابطهم، ونادوا فيهن منذرين، أن من لم تقف عند توجيهاتهم -ولم تراع إرشاداتهم- فلا تلومن إلا نفسها، وعليها أن تتحمل عواقب تصرفها، الذي قد يفتك بأظافرها الطبيعية، التي جاءت الأظافر المستعارة لتكون بمنزلة شاشة حماية لها (Anti-shock) في مسوغها الطبي، خارج إطار الموضة التي لا تقف عند منطق!ولو ذهبت أتتبع المضار الصحية والمخاطر الطبية المترتبة على الاستعمال التركيبي، والناتجة عن المواد التكوينية لتلك الأجسام الكيميائية، وفق مسطور التحذيرات ومنصوص الدراسات لخرجت من ذلك التتبع بتفاصيل من عناوين تهديدها: الحساسية، والالتهاب، والتلف، والسرطنة!وعندي أنني لو التمست لهذه الأظافر الطويلة ألطف العبارات وأقربها دبلوماسية لن أزيد على وصفها بـ" المخالب الأليفة"، وما أرى لها شبيها -في إحدى صورها- إلا تلك العينة الرديئة من الطباشير المدرسية الملونة، ذات الشكل شبه المخروطي، التي يستعيذ المدرسون من الكتابة بها على السبورة الخشبية، وأين هي من الطباشير الأسطوانية الجيدة؟ ! و" حملة الطباشير" يعلمون ما في ذلك!وعلى ذكر الطباشير فإن استنشاق المواد الداخلة في تركيب الظفر الاصطناعي قد تترتب عليه أضرار على مستوى الجهاز التنفسي، مثلما أن استنشاق غبار الطباشير تترتب عليه آثار تنفسية، وربما صاحبتها حساسية ناتجة عن لمسه، ولهذا وجدت" علاوة الطباشير" وبوب عليها قانونيا؛ إذ هي إحدى تجليات" الخطر التدريسي"!ولا تزال فوارق البساطة والتعقيد تمد أعناقها كلما تعلق الأمر بثنائية" الفطرة" و" الصناعة"، في مختلف مجالات الحياة، وشتان ما بين أظافر الفطرة الداخلة تحت عموم خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأظافر الصنعة، التي إن اقتبست التعبير من مبالغة الشيخ الظريف فإني سوف أقول إنني ما أُراها إلا أعمدة أكريليكية، نصبت لتطاول الأصابع الحقيقية، ثم تخاطبها -من فوق- قائلة: نحن أصابع الطابق العلوي!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك