يُعد عيد الغدير من المناسبات الدينية التي تحظى بمكانة كبيرة لدى المسلمين الشيعة، بينما ينظر إليه أهل السنة بوصفه ذكرى حادثة تاريخية مهمة وقعت في أواخر حياة النبي محمد (ص).
وترجع أهمية هذا الحدث إلى ارتباطه بمسألة الإمامة والخلافة بعد وفاة النبي، وهي القضية التي شكلت أحد أبرز محاور الاختلاف الفكري والسياسي والعقدي في التاريخ الإسلامي.
وتعود حادثة الغدير الى السنة العاشرة للهجرة/631 ميلادية، عندما عاد النبي محمد (ص) من حجة الوداع متجهاً إلى المدينة المنورة، فتوقف في منطقة تُعرف بغدير خم تقع بين مكة والمدينة قرب الجحفة.
وقد جمعت المصادر الإسلامية السنية والشيعية على وقوع هذا الحدث، كما اتفقت على أن النبي خطب في جمع كبير من المسلمين ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه".
وقد ورد هذا الحديث بأسانيد متعددة في عدد من كتب الحديث المعتمدة عند أهل السنة والشيعة على السواء، الأمر الذي جعل أصل الحادثة من الوقائع التاريخية المشهورة في التراث الإسلامي.
ترتبط إحدى أشهر التفسيرات السنية لحادثة غدير خم بما وقع أثناء بعثة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن في السنة العاشرة للهجرة.
فبحسب عدد من الروايات الواردة في المصادر السنية، لم تكن خطبة الغدير منفصلة عن أحداث سبقتها، بل جاءت بعد ظهور شكاوى واعتراضات من بعض أفراد الجيش الذين كانوا تحت قيادة علي في اليمن.
وقد أرسل النبي علياً إلى اليمن لجمع الصدقات والإشراف على بعض الشؤون العسكرية والإدارية.
وخلال تلك المهمة نشأت خلافات بينه وبين بعض الجنود والضباط بسبب شدته في تطبيق الأحكام الشرعية وحفاظه على المال العام.
ومن أبرز الأمور التي اشتكى منها بعض الجنود:1-أن علياً منع بعض المقاتلين من التصرف في أموال الغنائم قبل قسمتها رسمياً.
2-أنه استعاد بعض الأشياء التي أخذها أفراد من الجيش من الغنائم قبل توزيعها الشرعي.
3-تشدده في مسائل الانضباط العسكري وتنفيذ الأوامر.
4-اعتراض بعض الجنود على بعض قراراته الإدارية خلال الحملة.
وتورد كتب الحديث رواية مفادها أن بعض أفراد الجيش وجدوا في أنفسهم شيئاً على علي بسبب هذه المواقف، فلما عادوا إلى المدينة أو التقوا النبي في طريق العودة من الحج نقلوا إليه شكاواهم، ومن أشهر الروايات في هذا الباب ما رواه بريدة بن الحصيب، إذ ذكر أنه كان في نفسه شيء على علي بسبب بعض ما جرى في اليمن، فلما أخبر النبي بذلك قال له: " لا تبغضن علياً، فإنه مني وأنا منه".
وفي رواية أخرى: " علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي".
كما تذكر بعض المصادر أن عدداً من الصحابة أظهروا التذمر من علي أثناء عودتهم من اليمن، فلما بلغ ذلك النبي غضب وقال: " ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ إن علياً مني وأنا منه".
وانطلاقاً من هذه الروايات يرى عدد من علماء أهل السنة، مثل ابن تيمية وابن كثير وغيرهما، أن خطبة غدير خم جاءت في سياق الدفاع عن علي بن أبي طالب وإزالة ما علق في نفوس بعض الناس تجاهه، وأن المقصود من قول النبي: " من كنت مولاه فعلي مولاه" هو تأكيد محبته ونصرته ووجوب موالاته وعدم الانتقاص منه.
أما علماء الشيعة فيرفضون حصر حادثة الغدير في هذا السبب، ويرون أن الخلافات التي وقعت في اليمن لا يمكن أن تفسر جمع عشرات الآلاف من الحجاج في حر الظهيرة وإلقاء خطبة طويلة، ويعتبرون أن الحدث كان إعلاناً عاماً للإمامة والولاية، بينما كانت شكاوى اليمن حادثة فرعية لا تفسر وحدها أهمية الغدير.
وبذلك فإن أصل الشكاوى المتعلقة بعلي في اليمن ثابت في عدد من المصادر السنية، لكن الخلاف بين السنة والشيعة يكمن في السؤال الآتي: هل كانت خطبة الغدير مجرد دفاع عن علي وبيان فضله بعد تلك الشكاوى، أم كانت إعلاناً رسمياً لخلافته وإمامته بعد النبي (ص)؟ وهنا يقع جوهر الخلاف التاريخي والعقدي بين المدرستين.
غير أن الاتفاق على أصل الحادثة لم يمنع ظهور اختلاف واسع حول تفسيرها ودلالتها.
فالشيعة الإمامية يرون أن النبي كان بصدد إعلان ولاية الإمام علي وتعيينه إماماً وخليفة للمسلمين من بعده بأمر إلهي، ويعتبرون أن كلمة" مولى" الواردة في الحديث تعني صاحب الولاية والقيادة الدينية والسياسية.
ومن هذا المنطلق أصبح يوم الثامن عشر من ذي الحجة عيداً دينياً يحتفلون به باعتباره يوم إعلان الإمامة واكتمال مشروع القيادة الشرعية للأمة الإسلامية بعد النبي.
أما أهل السنة والجماعة فيقرون بصحة أصل الحديث، لكنهم يختلفون في فهم مدلوله.
فبحسب تفسير جمهور العلماء السنة فإن كلمة" مولى" لا تدل بالضرورة على الخلافة أو الإمامة السياسية، وإنما تعني المحبة والنصرة والموالاة.
ويرى هؤلاء أن النبي أراد تأكيد فضل علي بن أبي طالب ومكانته الرفيعة بين المسلمين بعد أن ظهرت بعض الشكاوى المتعلقة به أثناء عودته من اليمن، فخطب في الناس ليؤكد وجوب محبته واحترامه وعدم الإساءة إليه.
وقد توسع الجدل بين المدرستين الإسلامية السنية والشيعية حول بعض النصوص والعبارات التي ارتبطت بحديث الغدير.
فبينما يتفق الطرفان على صحة الجملة الأساسية" من كنت مولاه فعلي مولاه"، فإن الخلاف يظهر بشأن عدد من الزيادات التي ترد في بعض الروايات.
ومن أشهر هذه الزيادات عبارة: " اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه"، وهي زيادة قبلها عدد من علماء الحديث وردها أو ناقشها آخرون من حيث طرقها وأسانيدها.
كما توجد روايات أخرى تتضمن عبارات أطول مثل: " وانصر من نصره واخذل من خذله" أو" وأدر الحق معه حيث دار"، وهي روايات وقع حولها نقاش حديثي بين العلماء من حيث الصحة والثبوت.
ويذهب كثير من علماء أهل السنة إلى أن بعض الزيادات المتداولة في كتب المناقب والفضائل لا تبلغ درجة الثبوت التي بلغها أصل الحديث، وأن بعضها ورد بأسانيد ضعيفة أو مختلف فيها.
أما علماء الشيعة فيعتبرون أن مجموع الطرق والروايات يؤيد ثبوت تلك الزيادات ويعزز دلالة الحديث على الإمامة.
ولهذا فإن جانباً مهماً من الخلاف لا يتعلق بأصل حديث الغدير نفسه بقدر ما يتعلق بدلالة ألفاظه وبصحة بعض الروايات المكملة له.
كما يحتج الشيعة بعدد من النصوص القرآنية التي يربطونها بحادثة الغدير، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾، حيث يرى عدد من مفسري الشيعة أن هاتين الآيتين نزلتا في سياق إعلان ولاية الإمام علي.
في المقابل يرى جمهور المفسرين من أهل السنة أن الآيتين لا تدلان على هذا المعنى بصورة قطعية، وأن لهما سياقات تفسيرية أخرى وردت في كتب التفسير والحديث.
وقد انعكس هذا الاختلاف في فهم حادثة الغدير على رؤية كل مدرسة لمسألة الخلافة بعد وفاة النبي.
فالشيعة يعدون الغدير نصاً شرعياً على أحقية الإمام علي بالخلافة والإمامة، بينما يرى أهل السنة أن الخلافة تُركت لاجتهاد المسلمين وشورى الصحابة، وأن اجتماع السقيفة ثم بيعة أبي بكر الصديق كانا إجراءً مشروعاً لا يتعارضان مع حديث الغدير.
ومن الناحية التاريخية تحول يوم الغدير لدى الشيعة إلى مناسبة دينية واجتماعية كبرى تُقام فيها الاحتفالات والمجالس الدينية وتُتبادل التهاني، بينما لم يتحول عند أهل السنة إلى عيد ديني مستقل، وإن كانوا يقرون بفضل الإمام علي ومكانته العظيمة وبأهمية الحادثة نفسها في السيرة النبوية.
وهكذا تبقى حادثة غدير خم من أكثر الأحداث تأثيراً في تاريخ الإسلام، لأنها لا تمثل مجرد واقعة تاريخية عابرة، بل ترتبط مباشرة بقضية القيادة والسلطة الدينية والسياسية بعد النبي محمد.
وبينما يتفق المسلمون على وقوع الحادثة وعلى المكانة السامية للإمام علي بن أبي طالب، فإن الخلاف استمر عبر القرون حول تفسير معنى" المولى" وحول دلالة بعض الروايات والزيادات المرتبطة بالحديث، الأمر الذي جعل الغدير أحد أبرز الموضوعات التي تميز الرؤية السنية عن الرؤية الشيعية في فهم التاريخ الإسلامي المبكر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك