- نجاح «7 Dogs» لا يحجب حضور «أسد» ولا ينتقص من مساحة «الكلام على إيه».
وتعدد الخيارات يفرض نفسه عنوانا للمشهد- المنافسة بين الأفلام ليست معركة إقصاء بل مساحة أوسع للوصول إلى الجمهور- الجدل حول توزيع الأفلام في دور العرض يثير الأسئلة لكنه لا يصنع وحده قرار شراء التذكرة- السينما المصرية تحتاج إلى تعدد المسارات أكثر من حاجتها إلى بطل يحتكر المشهد- عيد الأضحى يقدم نموذجا لساحة تتجاور فيها التجارب المختلفة تحت سقف واحد- فيلم «7 Dogs» يؤكد أن معادلة النجوم والإنتاج الضخم مازالت تملك جاذبيتها الجماهيرية- «أسد» يواصل رحلته وسط الجدل ويبرهن أن الكلمة الأخيرة تبقى للمشاهد- «الكلام على إيه» يضيف ملمحا مختلفا إلى خريطة عرض لا تحتكم إلى لون فني واحدفي كل عام يترقب جمهور السينما موسم عيد الأضحى باعتباره أحد أهم المواسم القادرة على قياس نبض السوق وحركة الجمهور واتجاهات الصناعة، وفي كثير من الأحيان تنحصر القراءة في الأرقام وحدها، فتتحول الإيرادات إلى البطل الحقيقي للمشهد بينما تتراجع الأسئلة الأكثر أهمية المتعلقة بطبيعة الأفلام المعروضة وتنوعها وقدرتها على جذب شرائح مختلفة من المشاهدين.
هذا العام يبدو المشهد أكثر إثارة للاهتمام من مجرد متابعة أرقام شباك التذاكر، فالموسم يقدم مجموعة من الرهانات المتباينة التي تعكس حالة من الحراك داخل السينما المصرية، هناك فيلم يعتمد على ثقل النجوم وضخامة الإنتاج، وآخر يثير الجدل حول ظروف عرضه وتوزيعه، وثالث يحاول أن يجد مكانه وسط منافسة شرسة وموسم مزدحم، وبين هذه الرهانات المختلفة تبدو السينما المصرية وكأنها تخوض اختبارا مهما ليس حول حجم الإيرادات فقط، وإنما حول قدرتها على استيعاب أكثر من تجربة وأكثر من ذائقة في الوقت نفسه.
ومن هنا يمكن النظر إلى موسم عيد الأضحى الحالي باعتباره موسما للتنوع قبل أن يكون موسما للأرقام، فالمؤشر الحقيقي لصحة أي صناعة سينمائية لا يكمن في نجاح فيلم واحد مهما بلغت إيراداته، بل في قدرة السوق على منح أكثر من عمل فرصة للحضور والتأثير وتحقيق نصيب من الاهتمام الجماهيري.
وفي مقدمة المشهد يأتي فيلم" 7 Dogs" الذي دخل الموسم محملا بتوقعات كبيرة منذ الإعلان عنه، فاجتماع كريم عبد العزيز وأحمد عز في عمل واحد كان كفيلا بإثارة حالة واسعة من الترقب، خاصة مع الحملة الدعائية الضخمة التي سبقت طرح الفيلم، ومنذ الأيام الأولى للعرض استطاع الفيلم أن يحقق أرقاما لافتة تؤكد أن الرهان على النجوم ما زال أحد أهم عناصر الجذب في السوق المصرية.
لكن نجاح" 7 Dogs" لا يمكن اختزاله فقط في وجود أسماء كبيرة على الملصق الدعائي، فالفيلم يمثل أيضا نموذجا للإنتاج الذي يراهن على الصورة الضخمة والإيقاع السريع والعناصر البصرية القادرة على جذب جمهور يبحث عن الترفيه والمتعة البصرية داخل قاعة العرض، ولهذا جاءت الإيرادات القوية انعكاسا طبيعيا لحجم التوقعات التي صاحبت العمل وللقدرة على الوصول إلى قطاع واسع من الجمهور، ورغم ذلك فإن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن أهمية الفيلم لا تتوقف عند حدود نجاحه التجاري.
فوجود أعمال بهذا الحجم يرسل رسالة إيجابية إلى الصناعة مفادها أن السوق ما زالت قادرة على استيعاب مشروعات إنتاجية كبيرة وأن الجمهور لا يزال مستعدا لدعمها عندما يجد ما يثير اهتمامه ويمنحه تجربة مشاهدة مختلفة.
في المقابل يقدم فيلم" أسد" حالة تستحق التأمل من زاوية أخرى، فمنذ بداية عرضه ارتبط اسم الفيلم بجدل متواصل حول خريطة التوزيع وفرص العرض وعدد الشاشات المتاحة له مقارنة بأفلام أخرى، وكعادة المواسم الكبرى سرعان ما تحولت هذه النقاشات إلى مادة خصبة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي وبين المهتمين بالشأن السينمائي.
لكن بعيدا عن تفاصيل هذا الجدل يبقى هناك سؤال أكثر أهمية: لماذا يذهب الجمهور إلى مشاهدة الفيلم؟ الإجابة هنا تكشف جانبا مهما من طبيعة السوق، فالمشاهد في النهاية لا يشتري تذكرة بسبب الجدل وحده، ولا يدخل قاعة السينما لمجرد المشاركة في نقاش دائر على الإنترنت، الجمهور يذهب عندما يشعر بأن هناك عملا يستحق التجربة أو يثير فضوله أو يرتبط بنجمه المفضل أو يقدم له نوعا من المتعة التي يبحث عنها.
ولهذا فإن استمرار الإقبال على" أسد" رغم كل ما أثير حوله يوضح أن الجمهور يمتلك في النهاية قراره الخاص، قد تؤثر الحملات الدعائية وخريطة التوزيع في حجم الوصول إلى المشاهدين، لكن الكلمة الأخيرة تظل مرتبطة بمدى رغبة الناس في مشاهدة الفيلم، وهذه حقيقة مهمة كثيرا ما تغيب وسط النقاشات الحادة التي تصاحب المواسم السينمائية الكبرى، كما أن وجود جمهور مستعد لدفع ثمن التذكرة ومشاهدة الفيلم يمنح العمل مساحة من الحضور لا يمكن تجاهلها مهما اختلفت التقييمات أو الآراء النقدية حوله.
فالسوق السينمائية لا تقوم على الإجماع، بل على التنوع والاختلاف وتعدد الخيارات المتاحة أمام الجمهور.
أما فيلم" الكلام على إيه" فيمثل بدوره وجها آخر من وجوه الموسم، فوجوده وسط أعمال تعتمد على أسماء جماهيرية كبيرة وإنتاجات ضخمة يعكس حاجة السوق إلى التنوع في الموضوعات والأشكال الفنية.
فالسينما لا يمكن أن تعيش على نمط واحد من الأفلام مهما حقق من نجاح.
وكل صناعة سينمائية قوية تحتاج إلى مساحات متعددة تسمح بتجارب مختلفة ورؤى متنوعة، وربما تكمن أهمية هذا التنوع في أنه يمنح الجمهور فرصة للاختيار، فهناك من يبحث عن الأكشن والإثارة، وهناك من يفضل الأعمال ذات الطابع الاجتماعي أو الكوميدي أو الإنساني، وكلما اتسعت مساحة الاختيارات زادت قدرة السينما على الوصول إلى شرائح أكبر من المشاهدين.
ومن وجهة نظري فإن هذه النقطة تحديدا هي الأكثر أهمية عند قراءة موسم عيد الأضحى الحالي، فالحديث المتكرر عن الإيرادات القياسية قد يكون جذابا من الناحية الإعلامية، لكنه لا يقدم الصورة كاملة، أما وجود أكثر من فيلم يحاول أن يجد مكانه في السوق ويخاطب جمهورا مختلفا فهو مؤشر أكثر عمقا على حيوية الحركة السينمائية.
السينما المصرية مرت خلال العقود الماضية بمواسم كثيرة شهدت هيمنة عمل واحد على المشهد بالكامل، وفي بعض الأحيان كان ذلك النجاح الضخم يخلق انطباعا مضللا بأن الصناعة بخير، بينما كانت المساحة المتاحة لبقية الأعمال تضيق عاما بعد آخر، أما اليوم فنحن أمام مشهد أكثر توازنا نسبيا، حيث توجد عدة أفلام تتنافس على جذب الجمهور وكل منها يعتمد على عناصر مختلفة لتحقيق حضوره، ولا يعني ذلك بالطبع أن كل شيء يسير بصورة مثالية، فما زالت هناك تحديات تتعلق بالتوزيع وعدد الشاشات وتكاليف الإنتاج وأساليب التسويق وغيرها من الملفات التي تحتاج إلى تطوير مستمر.
لكن وجود هذه التحديات لا يلغي حقيقة أن السوق تشهد حركة واضحة وأن المنافسة ما زالت قادرة على إنتاج قصص نجاح متعددة الأشكال.
كما أن الجدل المصاحب للأفلام لا ينبغي النظر إليه دائما باعتباره ظاهرة سلبية، ففي كثير من الأحيان يعكس الجدل حجم الاهتمام بالفيلم أو بالموسم ككل، المشكلة لا تكمن في وجود النقاش، بل في تحويله إلى أحكام مطلقة أو صراعات لا تضيف شيئا إلى فهم المشهد الحقيقي.
ومن هنا فإن قراءة موسم عيد الأضحى يجب أن تتجاوز فكرة المنتصر والخاسر، فليس كل فيلم لا يتصدر الإيرادات يعد فاشلا، كما أن تصدر الإيرادات وحده لا يكفي للحكم على القيمة الفنية أو الثقافية لأي عمل، السينما بطبيعتها مساحة واسعة تتداخل فيها الاعتبارات التجارية والفنية والجماهيرية، ومن الصعب اختزالها في رقم أو ترتيب على قائمة الإيرادات.
إن ما يلفت الانتباه هذا العام أن الجمهور نفسه يبدو أكثر تنوعا في اختياراته.
فهناك من انجذب إلى تجربة" 7 Dogs" بما تحمله من عناصر جماهيرية واضحة، وهناك من اختار" أسد" بدافع الفضول أو الاهتمام بموضوعه أو ارتباطه بأبطاله، وهناك من وجد في الأعمال الأخرى ما يلبي ذائقته الخاصة.
وهذه الحركة المتبادلة بين الأفلام والجمهور هي ما يمنح الموسم قيمته الحقيقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك