تتجه أنظار العالم كل أربع سنوات إلى كأس العالم لكرة القدم، حيث تبقى مجموعة من الثوابت حاضرة داخل المستطيل الأخضر: كأبعاد ملعب، وحالات تسلل تُحتسب براية الحكم المساعد، ومباريات تُحسم بصافرة النهاية، لكن وسط هذا الاستقرار التنظيمي، يبرز عنصر واحد يتغيّر مع كل نسخة من البطولة: الكرة.
وتقدّم شركة" أديداس"، المزود الرسمي لكرات كأس العالم منذ عام 1970، كرة جديدة في كل بطولة، لتبدأ معها حسابات مختلفة داخل الملعب.
ومع كل تصميم جديد، يواجه اللاعبون والحراس سؤالاً متجدداً: كيف ستتحرك الكرة في الهواء؟ وكيف ستنحرف أو تهبط أو تغيّر مسارها أثناء اللعب؟ وعلى مدى 20 عاماً، عمل جون إريك غوف، الباحث في قسم الفيزياء بجامعة بيوجت ساوند في واشنطن، مع زملاء في اليابان وإنكلترا على دراسة ديناميكيات كرات القدم، عبر اختبارات في أنفاق هوائية لقياس قوى السحب والانحراف والرفع.
ووفقاً لموقع ذا كونفرزيشن الأميركي، تُستخدم هذه البيانات في محاكاة مسارات تُظهر كيف ستتحرك الكرة في ظروف المباراة.
ورغم أن هذه الأبحاث تبدو أكاديمية، لكن نتائجها قد تُحدث فرقاً حاسماً بين هدف وفرصة ضائعة، أو بين تصدٍ ناجح وخطأ مؤثر، وبين فرح وحسرة في المدرجات.
وتبدو كرة النسخة المقبلة" تريوندا" مثيرة للاهتمام بشكل خاص؛ فعند الكشف عنها في خريف 2025، لفتت الأنظار أولاً إلى تصميمها وألوانها، إذ يرمز الأحمر والأزرق والأخضر إلى الدول المستضيفة الثلاث: كندا والولايات المتحدة والمكسيك، مع رموز مستوحاة من ورقة القيقب والنجمة والنسر.
شهدت كرة القدم تطوراً كبيراً عبر تاريخ المونديال؛ ففي نسخة 1930، كانت الكرة تُصنع يدوياً من الجلد، على أن تُستخدم في النهائي كرتان مختلفتان بين الشوطين، بسبب تأثر الكرة بالطقس وامتصاص الماء، ما يجعلها أثقل وأقل قابلية للتوقع.
وبحلول عام 1994، تطورت الكرة بشكل كبير مع استخدام مواد إسفنجية وتقنيات تصنيع حديثة، لتتحول من مجرد كرة جلدية إلى منتج هندسي مصمم بدقة.
وتمثل كرة" تريوندا" مرحلة جديدة في هذا التطور، إذ تتكوّن من أربعة ألواح فقط، تُدمج بالحرارة والمواد اللاصقة، مع تقليل الفواصل بين الأجزاء.
ورغم أن تقليل عدد الألواح يعني عادة سطحاً أكثر نعومة، ما يؤثر على الطبقة الهوائية حول الكرة، وبالتالي على مقاومتها للهواء ومسارها، لكن" تريوندا" ليست ملساء بالكامل، إذ تحتوي على أخاديد عميقة وثلاثة تجاويف بارزة في كل لوحة، إضافة إلى ملمس سطحي دقيق.
في اختبارات النفق الهوائي، تم قياس معامل السحب، وهو مؤشر يحدد مقدار مقاومة الهواء أثناء حركة الكرة.
وأظهرت النتائج أن" تريوندا" أكثر خشونة من بعض الكرات السابقة، ما يجعلها تدخل" منطقة التحول الهوائي" عند سرعة أقل تبلغ نحو 43 كيلومتراً/الساعة.
وهذا أقل من كرات مثل الرحلة وتيليستار 18 وبرازوكا، وأقل بكثير من جابولاني، وتكمن أهمية ذلك في أن الكرة قد تبدو طبيعية عند التسديد، لكنها تتصرف بشكل مختلف في الهواء حسب السرعة والدوران.
وتتميز" تريوندا"، بأنها أكثر استقراراً في سرعات الكرات الثابتة مثل الركلات الحرة والركنيات، لكن في المقابل، قد يؤدي ذلك إلى زيادة بسيطة في مقاومة الهواء عند السرعات العالية جداً، ما يعني أن الكرات الطويلة قد تفقد جزءاً من مسافتها.
وفي المحاكاة، لا تبدو الفروق كبيرة، لكنها قد تكون ملحوظة في بعض الكرات الطويلة التي تصل أقصر ببضعة أمتار، مع الإشارة إلى أن عوامل مثل الدوران والطقس والضغط الجوي لا تزال حاسمة في أرض الملعب.
إلى جانب خصائصها الهوائية، تحمل" تريوندا" تقنية مدمجة تساعد الحكام، عبر نظام الكرة المتصلة الذي يرسل بيانات فورية إلى تقنية الفيديو المساعد" الفار" لتحديد حالات التسلل بدقة أعلى.
وتم تغيير موقع الشريحة الداخلية مقارنة بكرة 2022، لتوضع داخل طبقة خاصة مع إضافة موازنة في باقي الأجزاء لضمان ثبات الحركة.
وتشير الاختبارات إلى أن الكرة لن تُظهر سلوكاً غير متوقع أو فوضوياً كما حدث في نسخ سابقة، لكنها قد تُحدث فروقاً دقيقة في المسافات وسرعة التباطؤ.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستساعد هذه الخصائص اللاعبين على التحكم بشكل أفضل، أم ستفرض عليهم تحديات جديدة في لحظات الحسم؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك