أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية" ناسا" رسميا عن فقدان مسبار المريخ الشهير" مافن" (MAVEN)، الذي أدى مهاما علمية واتصالاتية حيوية في الكوكب الأحمر على مدار عقد من الزمان.
بدأت مأساة المركبة الفضائية بشكل مفاجئ في ديسمبر/كانون الأول الماضي أثناء تواجدها على الجانب البعيد من المريخ بالنسبة للأرض.
واسم" مافن" هو اختصار لـ" مهمة دراسة تطور الغلاف الجوي وفقدان المواد المتطايرة على المريخ" (Mars Atmosphere and Volatile Evolution)، وكانت أُطلقت في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 على متن صاروخ" أطلس 5" من قاعدة كيب كانافيرال في فلوريدا، ووصلت إلى مدار كوكب المريخ في 22 سبتمبر/أيلول 2014، أي بعد 10 أشهر.
هدف المهمة وأبرز إنجازاتهااختصت مهمة" مافن" في دراسة الغلاف الجوي العلوي للمريخ وفهم كيف فقد الكوكب معظم غلافه الجوي عبر مليارات السنين، وهو ما يساعد العلماء على تفسير تحول المريخ من عالم أكثر دفئا ورطوبة في الماضي إلى الكوكب البارد والجاف الذي نراه اليوم.
list 1 of 2حقول مغناطيسية حول 7 عوالم بعيدة تفتح نافذة جديدة في البحث عن الحياةlist 2 of 2القمر على موعد مع أول محطة طاقة نووية في تاريخهوأما أبرز إنجازاتها فكانت:إثبات أن الرياح الشمسية لعبت دورا رئيسيا في تجريد المريخ من غلافه الجوي.
قياس معدل فقدان الغازات من الغلاف الجوي إلى الفضاء.
دراسة الشفق القطبي المريخي.
توفير بيانات مهمة لدعم المهمات اللاحقة إلى المريخ.
وبحلول عام 2026 تكون المهمة قد أمضت أكثر من 12 عاما في مدار المريخ، متجاوزة بكثير عمرها التشغيلي الأصلي المخطط له.
وجاء الإعلان الرسمي عقب تقرير أولي من لجنة مراجعة الشذوذ المداري التي شكلتها الوكالة في فبراير/شباط 2026 للتحقيق في وضع المسبار؛ حيث أشارت البيانات الأخيرة إلى أن المسبار كان" يدور بطريقة غير متوقعة" وأن" مسار مداره قد تغير"، وهو ما تأكد عندما عجزت مركبة" كوريوسيتي" الجوالة على سطح المريخ عن رصد المسبار في سمائه.
هندسة كونية معقدة أحبطت الإنقاذخلال محاولات استكشاف الأعطال وإصلاحها، واجه مهندسو" ناسا" عقبة فلكية تعرف باسم الاقتران الشمسي المريخي، وهي ظاهرة تحدث عندما تقع الأرض والمريخ على جانبين متقابلين من الشمس، مما يحجب الاتصالات تماما بين الأرض وأسطولها المستكشف هناك.
استمر هذا الانقطاع الكوني من أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 وحتى منتصف يناير/كانون الثاني 2026، ورغم استئناف المحاولات بعد ذلك، قررت" ناسا" إعلان النهاية الرسمية للمهمة التي انطلقت في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، دون انتظار التحقيق النهائي في الأسباب.
وفي هذا السياق، صرحت" لويز بروكتور"، مديرة قسم علوم الكواكب في ناسا إن البيانات العلمية التي قدمها مافن تُعد مفتاحا لمعرفة نوع الحماية من الإشعاع وتدابير السلامة التي يجب أن نتخذها قبل إرسال البشر إلى المريخ، وستستمر هذه البيانات في تقديم رؤى قيمة لعقود قادمة.
ارتدادات قوية تهز شبكة الاتصالات المريخيةلن يمر فقدان" مافن" مرور الكرام؛ بل سيترك أثرا كبيرا على أسطول المركبات الحالية نظرا لدوره المحوري في" شبكة ترحيل المريخ"، وهي شراكة بين" ناسا" ووكالة الفضاء الأوروبية" إيسا" لتأمين اتصالات الجوالات على السطح مثل" كوريوسيتي" و" برسيفيرنس".
وقبل خسارته، كان المسبار يمثل القوة الثانية في الشبكة بعد المركبة المدارية" غاز تريس" (Trace Gas Orbiter)، متفوقا في حجم العمل على مركبتين أخريين تابعتين لـ" ناسا"، مما يعني أن غيابه سيضغط بقوة على القنوات المتبقية لنقل بيانات سطح الكوكب إلى الأرض.
إرث علمي تاريخي فك أسرار الكوكبرغم نهايته الحزينة، حقق المسبار تفوقا غير مسبوق في تفكيك لغز كيفية تحول غلاف المريخ الجوي إلى غلاف رقيق للغاية، مما جعله كوكبا غير صالح للحياة.
وخلال مسيرته، اكتشف" مافن" أن العواصف الشمسية تسرع من تآكل الغلاف الجوي، ورسم خرائط لرياح الارتفاعات العالية، ورصد نوعا جديدا من الشفق القطبي.
كما عايش المسبار أحداثا متطرفة كالعاصفة الترابية العالمية التي أنهت مسيرة الجوالة" أوبورتيونيتي" (Opportunity) عام 2018، وراقب تفاعل الغلاف الجوي مع المذنب" سيدينغ سبرينغ".
وبفخر كبير، علقت" شانون كوري"، الباحثة الرئيسية في مهمة" مافن" بجامعة كولورادو بولدر، قائلة: " لقد أحدثت مهمة" مافن" طفرة حقيقية في فهمنا للغلاف الجوي للمريخ وتطوره، وكان لهذه البيانات تأثير هائل على هذا المجال، وفريقنا العلمي فخور للغاية بكل هذه الاكتشافات المذهلة".
ماذا بعد هذا الفقدان الكبير؟في الختام، يضعنا فقدان" مافن" أمام حجم خسارة مزدوجة؛ فالقارئ اليوم يدرك أن هذا المسبار لم يكن مجرد مختبر علمي طائر يدرس الهواء والمناخ، بل كان بمثابة" برج اتصالات" أساسي وحيوي قد تصبح حركة الروبوتات على سطح المريخ بدونه أكثر عزلة وصعوبة.
كما تتجلى في هذه النهاية دراما الفضاء والفيزياء المتشابكة، حيث كشفت الأزمة كيف تلعب الهندسة الفلكية المعقدة والظواهر الكونية -مثل وقوع الشمس كحاجز بين الكوكبين- دورا حاسما وقاسيا في قطع حبال الإنقاذ والاتصال عن مركبات فضائية متطورة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات.
ورغم هذا الغياب، تظل هناك أهمية كبرى لبيانات المسبار في المستقبل، فإذا كان" مافن" قد مات جسدا وانتهت رحلته الفلكية، فإن إرثه الرقمي والعلمي الهائل هو الذي سيقود البشرية نحو الكوكب الأحمر، ويحدد بدقة متى وكيف سيمشي أول إنسان على المريخ بأمان تام، مستندا إلى خرائط الحماية من الإشعاعات الضارة التي تركها المسبار خلفه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك