نعيش مرحلة خمود أخبار الحرب وخمول الاهتمام بها.
حرب إيران ما زالت مشتعلة، إن لم يكن بمشاهد الانفجارات وتأجج النيران وإعلان أعداد القتلى والمصابين، فعبر الشد والجذب الإيرانى الأمريكى، وفى الخلفية، أو بالأحرى فى القلب من المشهد، ما تفعله إسرائيل بلبنان، «مستفردة» به ومعيدة تشكيل هذا الجزء من الخريطة، خمد الاهتمام بالأخبار، ولم تخمد الأخبار نفسها.
التخمة الخبرية أو الإنهاك الخبرى أمر معروف، ولكن لا نشعر به أو ندركه فى حينها.
يصاب الناس بالإرهاق من كثافة التغطية الإعلامية المتواصلة للحروب أو الصراعات أو الأزمات، فيشعرون بما يُعرف بـ«إرهاق الأزمات».
إنه الإرهاق الذى يشبه كثيراً الإرهاق الجسدى الذى يدفعنا للراحة الجسدية، عبر أخذ قسط وافر من النوم أو الابتعاد عن العمل لفترة ما.
فى «إرهاق الأزمات»، نبحث عن الراحة والاستشفاء عبر تبلد المشاعر بصفة مؤقتة، وفقدان الإحساس بالعنف، وتجنب الأخبار بشكل لا إرادى.
وربما يسبقه ويصاحبه شعور عميق بالقلق والعجز، ما يدفع أجهزة الجسم الدفاعية إلى تقليص التعاطف حفاظاً على ما تبقى من صحة نفسية وعصبية.
نتجنب الاقتراب من مصادر الأخبار وتحليلاتها، ويُهيَّأ لنا أن الأمور أصبحت على ما يرام، وأن السلام عم، والعنف توقف.
هذا ما يجرى بين مليارات البشر التى أنهكتها متابعة أخبار الحروب والصراعات التى تحتفظ منطقتنا بمكانة الصدارة فيها.
من القضية الفلسطينية إلى مواجهات مكتومة وغير مكتومة مع الوجود الإسرائيلى، ومنها إلى أحداث سُميت بـ«الربيع العربى»، وبزوغ نجم جماعات الدم وادعاء الدين، وتفجُّر صراعات طائفية داخلية، ودخول دول فى حروب أهلية مميتة استمر بعضها لأكثر من عقد كامل ونجم عن بعضها صعود نجم التطرف وكأن قدر المنطقة علاج العلة بالعلة، ثم دخول القضية الفلسطينية مرحلة بالغة الخطورة بقرار منفرد أدخل فلسطين، أو ما تبقى منها، نفقاً مظلماً، مع تقديم الفرصة الذهبية لإسرائيل لتتمدد وتقدم على عمل كل ما يمكن عمله فى المنطقة وبها.
وبعيداً عن تباين التقييمات والمواقف والآراء السياسية والاستراتيجية لما يجرى فى المنطقة منذ أكتوبر 2023، وهل بالفعل ما جرى «أيقظ القضية من سباتها» أم «عجَّل بتوصيل القضية إلى مثواها الأخير»، فإن حرب إيران، ومعها حرب لبنان ونية إسرائيل الواضحة والصريحة والمؤكدة لاحتلال (على الأقل) جنوب لبنان، ومن ضمنها حرب النفط والنقل البحرى وسلاسل الإمداد، وما يجرى على الهامش -الذى أحياناً يفوق المتن فى الأثر- من ضربات إيرانية لدول الخليج أملاً منها فى تحقيق أهداف أبعد من الحرب الحالية، وغياب ما يجرى فى السودان عن الاهتمام الذى يستحقه من مأساة مستمرة لما يزيد على ثلاث سنوات، وهى المأساة ذات الوجه الإنسانى والمحتوى الغارق فى الصراع على السلطة والاقتصاد والموارد والهيمنة العرقية وغيرها الكثير مما تموج به المنطقة الأكثر سخونة فى العالم، تبقى الحقيقة المؤكدة الآن، وهى الإنهاك الخبرى الكامل للغالبية، واعتياد أخبار الصراع والضربات والرشقات والمفاوضات الحلزونية والتصريحات النارية.
نستمع إلى اعتلالات واحتياجات صحتنا النفسية والعصبية، فنبتعد عن الأخبار، ونتجنبها، وهذا أمر طبيعى وحق لنا، لكن عدم تعرضنا للأخبار لا يعنى أن ما يجرى حولنا قد توقف عن الجريان.
ولا يعنى أيضاً أن آثار ما يجرى علينا قد توقفت، أو أن المخاطر التى تحيط بنا قد زالت.
أقول هذا ونحن على أعتاب مرور 13 عاماً على «الخلاص»، الخلاص من جماعة الإخوان المسلمين التى أحكمت قبضتها على رقابنا لمدة عام، وهى القبضة المتمثلة فى الحكم.
نتذكر هذا العام، ونحتفى بسقوط حكم الجماعة، لكن نُذكر أنفسنا أن ما تمثله الجماعة وأبناء عمومها من جماعات ومجموعات وأفراد من تفتيت الأوطان، وبث السموم، ونشر الكراهية، ونفث الفتنة لم يسقط أو ينتهِ أو يزول.
سقطت الجماعة، ولم تسقط الفكرة، لا فى مصر فقط، بل فى سائر مناطق العالم التى توجد فيها مثل هذه الأفكار بأنواعها وأشكالها.
إنها الأفكار التى تستثمر فى عقول وقلوب البسطاء، بسطاء الفكر لا الجيب بالضرورة.
تدخل تارة عبر درس دين، وأخرى عبر حصة فى «سنتر» يتم فيها حشو أدمغة الطلاب بالفكرة عبر حديث عن ملابس بعينها مثلاً، وثالثة من تحت عقب باب كيانات ترتدى عباءة الدين لمعاودة الانقضاض على مصر والمصريين، ورابعة بمنع عروض مسرحية «لأنها حرام»، وخامسة بمجرد التفكير فى التسلل الرقابى إلى مجال النشر، وسادسة بترك الزوايا تعود بكامل قوتها رغم وجود مساجد متاخمة، وسابعة عبر غياب أو تغييب الفكر المستنير الذى أصبح اليوم مرادفاً من قبَل حاملى فكر الجماعة وأبناء عمومها «فكر الإلحاد والكفر والعياذ بالله».
ونحن نحتفى بمرور 13 عاماً على «الخلاص»، حرى بنا تذكُّر دعوات الرئيس السيسى المتكررة بتجديد الخطاب الدينى وتنقيحه، وذلك بتطهيره مما علق به من تطرف وانغلاق، لا بالمزيد منهما.
حفظ الله مصر والمصريين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك