المعركة المتواصلة على حدود الشمال، المواجهة الداخلية بين رئيس الوزراء الولايات المتحدة، والاتصالات السياسية بين إسرائيل ولبنان، تستدعي إعادة النظر في الواقع الإستراتيجي في الساحة الشمالية.
اضافة اعلانوالسؤال المركزي ليس مستوى اللهيب في المواجهة الشخصية بين الزعيمين، بل ما إذا كان بالإمكان تصميم واقع أمني جديد يجلب بشرى حقيقية لسكان الشمال، أم أن دولة إسرائيل توشك على العودة مرة أخرى إلى نموذج الفشل المتكرر.
إن الواقع الأمني، حتى لو كان من الصعب علينا رؤية ذلك الآن، يختلف عن ذاك الذي كان عشية الحرب.
فقد تلقى حزب الله ضربة ذات مغزى في مختلف منظوماته: شريحة القيادة، والبنى التحتية العسكرية، والمقاتلون، والوسائل القتالية.
وهذه إنجازات لا تضمن بعدُ حسما أو تغييرا جذريا للواقع.
فعدم نزع سلاح التنظيم، وإصراره على إعادة بناء قدراته، وإمساكه بزمام حكومة لبنان، تشير إلى أن حزب الله يرى في الواقع الحالي مرحلة انتقالية لا نقطة نهاية.
ويُظهر حزب الله في هذه الأيام بالذات قدرة على التكيف مع الواقع الجديد.
فالفجوة الحقيقية بين تنظيم حرب العصابات والجيش الحديث تولّد حلولا غير متماثلة وفكرة تأسيسية جديدة للمعركة.
ففي الماضي كان التركيز على منظومات الصواريخ والمقذوفات الصاروخية وقوات الرضوان، أما اليوم فقد انتقل إلى التهديد الجديد المتمثل في المسيّرات والطائرات الصغيرة المسيّرة؛ وهي وسائل قتالية زهيدة الثمن، يمكن الحصول عليها بسهولة، وتمتلك قدرات متنوعة تشمل جمع المعلومات ومهاجمة قوات الجيش والمدنيين.
غير أن المشكلة لا تكمن بالطبع في التهديد نفسه فحسب، بل في إيجاد حل تكنولوجي للتصدي له.
فكل حل تكتيكي، مهما كان جيدا ومتطورا، لن يقدم جوابا للمشكلة الأساسية: وجود تنظيم تتمثل غايته في الإضرار بدولة إسرائيل بكل السبل.
ويتمثل التهديد المركزي في العودة إلى النمط المعروف الذي تطور في السنوات الأخيرة، والمتمثل في الاحتواء والاتفاقات التي تخلق وهم الاستقرار.
فانتشار الجيش اللبناني، وأجهزة الرقابة الضعيفة، والتصريحات الدبلوماسية، لم تمنع حزب الله من إعادة بناء نفسه ليصبح في كل مرة قوة عسكرية أقوى مما كان عليه في الجولة السابقة.
إن التهديد المركزي هو العودة إلى نمط إنهاء الحرب ثم التسوية، ومن التسوية إلى هدوء مؤقت، ومن وهم الهدوء إلى عودة تدريجية وثابتة لخلق تهديدات جديدة.
وعلى هذه الخلفية ينبغي النظر أيضا إلى المحادثات مع حكومة لبنان.
فأهمية هذه المحادثات واضحة في محاولة بناء إطار إقليمي جديد، لكن دولة إسرائيل لا يمكنها أن تعتمد على جهة يُشك كثيرا في قدرتها على تنفيذ وعودها.
فالأتفاق لا يمكن أن يكتفي بآليات رقابة عامة أو بمحاولات غامضة، بل يجب أن يستند إلى رقابة ناجعة وإلى اختبار نتائج واضح.
أما المتغير الإضافي والأهم فهو الساحة الإيرانية.
فربط إيران ساحة لبنان بكل اتفاق مستقبلي لا ينبغي أن يفاجئ أحدا.
فقد ربّت إيران حزب الله ورعته، وترى فيه قاعدة متقدمة لعدوانها ضد إسرائيل.
ومن ناحية الولايات المتحدة، فإن إغراء النظر إلى لبنان بوصفه جزءا من خطوة سياسية واسعة يبقى كبيرا.
أما إسرائيل، فعليها أن ترفض القيود على حرية عملها قبل أن ينشأ بديل أمني حقيقي.
فصيغة" الهدوء يُقابل بالهدوء" هي السبيل المؤكد إلى إخفاقات الماضي.
ولا ينبغي أن يكون الخلاف حول هذا الهجوم أو ذاك، بل حول مسألة أعمق بكثير: هل الهدف هو استقرار فوري أم تغيير استراتيجي بعيد المدى؟وتفيد تجربة الماضي بأن الدور الدولي لا يمكن أن يكون بديلا عن مبادئ الأمن الأساسية لإسرائيل: التفكيك المتدرج والمدروس للقدرات العسكرية، وآليات تحقق فاعلة، ومسؤولية مباشرة من حكومة لبنان، وحرية العمل في حالات الخرق، وآلية تقيس النتائج لا الإعلانات الفارغة.
وفي ضوء تجربة الماضي، فإن كل طلب لبناني يستوجب أولا واجب الإثبات المؤكد من الطرف الآخر.
ويبقى السؤال الكبير: هل ستعرف إسرائيل هذه المرة كيف تميّز بين اتفاق ينطوي على تغيير جوهري حقيقي، واتفاق لا غاية له سوى تأجيل الجولة التالية؟*رئيس قسم سابق في الشاباك، وباحث في معهد السياسة لمكافحة الإرهاب (JCT) في جامعة رايخمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك