يقترن كأس العالم دائماً بدموع الفرح، وصيحات المجد، والقصص الأسطورية التي يكتبها النجوم بملامسة الذهب.
لكن تاريخ المونديال يخبئ في جعبته أيضاً زوايا مظلمة، تداخلت فيها السياسة بالجريمة، وتحولت فيها مدرجات البهجة إلى ساحات عزاء.
في هذه الحلقة من “حكايا مونديالية” من الوطن، نستحضر القصة الأكثر مأساوية في تاريخ كأس العالم؛ قصة المدافع الكولومبي أندريس إسكوبار، الذي دفع حياته ثمناً لهدفٍ سجله خطأً في مرمى بلاده.
– جيل ذهبي.
وتوقعات عانقت السماءدخل المنتخب الكولومبي مونديال الولايات المتحدة عام 1994 وهو يحمل على عاتقه آمال أمة بأكملها، وترشيحات كبار خبراء اللعبة، وعلى رأسهم الأسطورة البرازيلي بيليه، للذهاب بعيداً والتتويج باللقب.
جاء هذا الزخم بعد مسيرة تصفيات تاريخية، تُوجت بفوزٍ أسطوري على الأرجنتين بنتيجة (5-0) في عقر دارها ببوينس آيرس.
كان جيلاً مرصعاً بالنجوم مثل كارلوس فالديراما، وفاوستينو أسبريا، يقودهم في خط الدفاع لاعب رصين، عُرف بأخلاقه العالية وهدوئه داخل الملعب وخارجه، لُقب بـ “جنتلمان الملاعب”.
إنه أندريس إسكوبار.
لسان الحال الكولومبيين: “لقد تأهلنا بجودة وأسلوب ورفعة”.
صدٰق اللاعبون والجمهور أنّ اللقب بات قريباً، لكن الغرور والضغط النفسي كانا بداية الانهيار.
”– اللحظة المشؤومة: عندما تغير مسار الكرة ومسار الحياةبدأت الصدمة بخسارة كولومبيا المفاجئة في المباراة الأولى أمام رومانيا (3-1).
تلاشت الثقة، ودخل الفريق في نفق مظلم من الضغوطات والتهديدات التي وصلت إلى مقر إقامة البعثة من قِبل عصابات المراهنات وتجار المخدرات في كولومبيا.
في 22 يونيو 1994، التقت كولومبيا بمنتخب البلد المضيف، الولايات المتحدة، في مباراة لا تقبل القسمة على اثنين.
وفي الدقيقة 34، حدثت اللحظة التي غيرت مجرى التاريخ:
انطلق المهاجم الأمريكي بكرة عرضية داخل منطقة الجزاء، ارتمى إسكوبار بفدائية لقطع الكرة ومنعها من الوصول للمهاجم القابع خلفه.
ارتطمت الكرة بمقدمة حذائه، لتغير مسارها وتخادع الحارس وتستقر في الشباك الكولومبية.
سقط إسكوبار على الأرض واضعاً يديه على رأسه، في لقطة لخصت وجعاً وطنياً، خسرت كولومبيا المباراة بنتيجة (2-1)، وودعت المونديال رسمياً من الدور الأول في واحدة من أكبر مفاجآت البطولة.
– “الحياة لا تنتهي هنا”.
الكلمات الأخيرةرغم مرارة الإقصاء، عاد الفريق إلى كولومبيا وسط أجواء مشحونة بالاحتقان.
رغب إسكوبار في مواجهة الجماهير بشجاعة، ورفض الاختباء، وكتب مقالاً في إحدى الصحف الكولومبية وجه فيه رسالة للشعب، قال فيها جملته التاريخية التي ما زالت تتردد حتى يومنا هذا ” الحياة لا تنتهي هنا “.
لكن الواقع في مدينته “مديلين” – التي كانت تعيش ذروة انفلاتها الأمني وصراعات العصابات آنذاك – كان له رأي آخر.
– الرصاصات الست.
الوداع الصادمفي ليلة الثاني من يوليو 1994، بعد أيام قليلة من العودة، كان إسكوبار في موقف سيارات تابعة لأحد الملاهي الليلية، حيث دخل في شجار لفظي مع ثلاثة أشخاص انتقدوا خطأه المونديالي بسخرية.
تطور الشجار سريعاً، وسحب أحد الجناة مسدساً وأطلق على إسكوبار 6 رصاصات كاملة.
ونقلت شهادات شهيرة من موقع الحادثة أن القاتل كان يصرخ مع كل رصاصة بكلمة “هدف! ” (Gol) محاكاةً للتعليق اللاتيني الشهير.
نُقل المدافع الشاب إلى المستشفى لكنه فارق الحياة بعد أقل من ساعة، وهو في الرابعة والعشرين من عمره.
– أثر لا يُمحى ودرس للتاريخشيع جنازة إسكوبار أكثر من 120 ألف مواطن كولومبي، وتحول من لاعب كرة قدم إلى رمز وطني وضحيّة لجنون التعصب والانفلات، أندريس إسكوبار (1967 – 1994)، جنتلمان الملاعب (El Caballero del Fútbol).
ستذكره الأجيال كقائد أظهر أن الرياضة يجب أن تجمع الشعوب لا أن تفرقها وتظل قصة أندريس إسكوبار التذكير الأكثر قسوة في تاريخ المستديرة بأن كرة القدم، رغم شغفها وجنونها، تبقى مجرد لعبة، وأن الخطأ فيها جزء من الإنسانية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون ثمنه.
حياة إنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك