العربية نت - تأخر يومين بسبب "مشاجرة".. أميركا تسمح للسويسري إمبولو بدخول أراضيها وكالة الأناضول - الجيش الإسرائيلي يدعي اغتيال مسؤول ميداني في "حزب الله" جنوبي لبنان هالة سمير - If you want all your sins and bad deeds to be forgiven, you must listen to this hadith! التلفزيون العربي - المكسيك تكتسح صربيا قبل المونديال ونيمار يغيب عن ودية مصر قناة الشرق للأخبار - ردود الأفعال في إسرائيل عقب إعلان حزب الله رفض الاتفاق وكالة شينخوا الصينية - كبير الدبلوماسيين الصينيين: الصين مستعدة لتعزيز التعاون مع الحكومة الجديدة في ميانمار قناه الحدث - وقف النار في لبنان يترنح.. ونتنياهو يؤكد "لا اتفاق حالياً" يني شفق العربية - الذكرى 59 للنكسة.. الاحتلال يواصل الاستيطان والتهجير قناة التليفزيون العربي - اتفاق وقف إطلاق النار تحت مجهر التهديدات.. صفقات أميركية ترفضها المقاومة وتستغلها تل أبيب العربي الجديد - من يحسم "نزال القرن" بين فيوري وجوشوا؟ بطل عالمي يجيب
عامة

العبثيّة في الأدب.. الفلسفة التي جعلت من اللامعنى معنى

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ 5 ساعات
2

لماذا نحن هنا؟ سؤال بسيط قد يباغت أيّ شخصٍ وكأنّه حصاة صغيرة ألقيت في بركة أفكاره الرّاكدة، البحث عن مبرّر للوجود، وإجابة منطقيّة يرجع للشّخص وفهمه للحياة ولما بعدها، وتختلف الإجابة ذاتها بحسب المعتقد...

ملخص مرصد
تبلورت العبثيّة في الأدب كحركة فلسفيّة تُعالج غياب المعنى في الوجود، بدءاً من أعمال كيركغارد وشوبنهاور وصولاً إلى ألبير كامو الذي جسّدها في روايته "الغريب" من خلال شخصية ميرسولت. ترفض العبثيّة الاستسلام للعدم، بل تدعو إلى التمرد وبناء المعنى، متمايزة بذلك عن العدميّة. أثرت في أدباء مثل بيكيت ويونسكو وكافكا، مشكّلة نقلة في السرد الأدبيّ.
  • كيركغارد اعتبر العبث اختباراً للذات وللمحدوديّة الإنسانيّة.
  • كامو صوّر العبثيّة في رواية "الغريب" بشخصية ميرسولت اللامبالية.
  • العبثيّة دعوة للتمرد وبناء المعنى، لا للاستسلام للعدم.
من: كيركغارد، شوبنهاور، ألبير كامو، صمويل بيكيت، يوجين يونسكو، كافكا

لماذا نحن هنا؟ سؤال بسيط قد يباغت أيّ شخصٍ وكأنّه حصاة صغيرة ألقيت في بركة أفكاره الرّاكدة، البحث عن مبرّر للوجود، وإجابة منطقيّة يرجع للشّخص وفهمه للحياة ولما بعدها، وتختلف الإجابة ذاتها بحسب المعتقدات الدّينية والتربية الاجتماعية، فلكلّ مجتمع جوابه الذي ربما لن يقنع الجميع، فيبقى البعض واقفًا عند عتبة هذا السؤال، دون أن يجدوا سببًا لكلّ ما يحدث ولكلّ ما يعيشونه.

أي عبثٍ هذا أن تكون الحياة التي يعيشها الإنسان دون معنى، عديمة الجدوى، وهنا يبدأ الاشتباك ما بين رغبة الإنسان العارمة في إيجاد معنى للوجود، وما بين الفراغ المحيط به.

هذا الشّعور قد تبلوّر وصار العبث مفهومًا فلسفيًا، ومن أوائل من أرسى قواعده هو الفيلسوف الدّنماركي كيركغارد الذي اعتبر أن العبث هو اختبارٌ للذّات ولمحدوديتها، وفي ذلك أسّس مفهوم" القفزة الإيمانيّة" التي تقضي بضرورة القفز نحو الإيمان في غياب الدّليل المنطقي العقلاني، فالإيمان في بعض جوانبه يفترض التّسليم المطلق، وحالة الإيمان تستطيع إخماد صوت اللاجدوى ومنح معنى للحياة.

وبالطبع آرثر شوبنهاور قد سبقه لعوالم العبث ورسم صورةً تشاؤميّةً عبثيّةً للوجود باعتباره إرادةً عمياءَ لا هدف لها، وبرأيه إنّ محاولة فرض نظام منطقي على هذه الحياة هو أحد أسباب المأساة الإنسانيّة.

بعد أن برزت العبثيّة كمفهومٍ فلسفٍّي، بدأت تدخل عوالم الأدب حيث الظّهور الشّخصيّ لها، واللّقاء مع القرّاء والجمهور دون حجاب، وتوسيع شريحة المتلقين لأدبيات العبثيّة، ألبير كامو هو أول أديبٍ يُذكر في هذا المجال، وُلد كامو في الجزائر خلال الاحتلال الفرنسي، لعائلةٍ فقيرةٍ وعاش طفولةً قاسيةً، فقد أباه مبكراً، وصارع مرض السلّ الذي لازمه طويلاً، هذا الألم كان بذرة فلسفته العبثيّة التي صاغ جوهرها في مقالته الشّهيرة" أسطورة سيزيف" سيزيف المحكوم عليه بدفع صخرة ضخمة إلى قمة الجبل، لتتدحرج إلى الأسفل إلى ما لانهاية، ختم كامو مقاله هذا بطريقةٍ مفاجئة" ينبغي أن نتخيّل سيزيف سعيداً"، فالتّمرد على العبثيّة إذن ورفض الاستسلام لها هو المعنى الممكن في عالمٍ بلا معنى.

وقد ظهرت العبثيّة متجسدةً بشخوص روائيّة صاغها كامو بعناية وألقى بها ضمن سلسلةٍ من الأحداث التي تستطيع توضيح العبث المراد إظهاره من خلال العمل الأدبيّ، كما في رواية" الغريب" شخصية" ميرسولت" الرّجل الذي يجسّد اللامبالاة والعبثيّة، لم يبكِ في جنازة أمه، وقتل رجلاً تحت الشّمس الحارقة دون دافع، دخل السّجن ولم يعنه ذلك شيئاً، فقد تعوّد" يمكن للإنسان على أن يعتاد على كلّ شيء"، وواجه الإعدام بلامبالاة كذلك، الرّواية كانت صادمة للجمهور فهي بعيدة عن المنظومة التي تحكم سير الشّخصيات عادةً في الرّوايات الأخرى، لكن غريب كامو كان عبثيًا للحظة الأخيرة.

العبثيّة في عمقها ليست مرادفًا للاستسلام إنّما دعوة للتّمرد وبناء المعنى، ومن الضّروري عدم الخلط بينها وبين العدميّة التي تنتهي إلى اليأس المطلق، وكثيرٌ من الكتّاب يقعون في هذا الفخ وينزلقون نحو العدميّةأما صمويل بيكيت فقد أسّس بمسرحيته" في انتظار غودو" ما يُعرف بـ" مسرح العبث" حيث ينتظر شخصان" غودو" الذي لا يأتي أبداً، في تجسيدٍ للانتظار اللانهائي وانعدام المعنى.

ويوجين يونسكو في مسرحيته" الكراسي" حيث يُحضر الزّوجان الهرمان الذين يعيشان وحيدين في مكتنٍ منعزل عددًا كبيرًا من الكراسي لضيوف وهميين موجودين في خيالهم فقط، وينتظرون خطيبًا ليلقي على ضيوفهم الرّسالة التي يريدان إيصالها، وفي حال قدوم الخطيب (شخص حقيقي) يجدانه أبكمًا فينتحران.

كما لا يمكن إغفال تأثير كافكا الذي جسد العبثيّة عبر نصوصه التي تصوّر الإنسان يعيش تناقضات وتحوّلات غير منطقيّة وفي مقدمتها رواية" المسخ" التي تحكي عن غريغور الذي يستيقظ فيجد نفسه حشرة ضخمة، حتّى صارت" الكافكاويّة" رديفاً للواقع العبثيّ.

الكتابة الأدبيّة العبثيّة تقدّم صورةً صادقةً وعميقة عن الإنسان ومعاناته بعيداً عن الأوهام والنّهايات السّعيدة المُزيّفة، وقد فتحت العبثيّة آفاقًا إبداعيةً جديدةً من خلال تحرير الأدب من التّفسيرات المنطقيّة للأحداث وشكّلت بذلك نقلةً في السّرد التّقليدي، حيث يجد القارئ نفسه أمام تجربة مُقلقة تدفعه إلى التّساؤل بدلاً من الاسترخاء فلا جنوح للكسل هنا، فلابد للمتلقي من أن ينشّط خياله ويستدعي كلّ أدوات التفكير والمنطق ويسخرها ليفهم ما وراء المشهد العبثيّ.

فالعبثيّة في عمقها ليست مرادفًا للاستسلام إنّما دعوة للتّمرد وبناء المعنى، ومن الضّروري عدم الخلط بينها وبين العدميّة التي تنتهي إلى اليأس المطلق، وكثيرٌ من الكتّاب يقعون في هذا الفخ وينزلقون نحو العدميّة.

والعديد منهم أيضًا فهم العبثيّة بشكلٍ مشوّهٍ، فأنتج أعمالًا فوضويّةً مُبهمةً وقدّمها باعتبارها أعمالًا فلسفيّةً عميقة، في حين أنّها غموضٌ مفتعل بلا مضمون، والسّبب في ذلك يرجع لأنّهم لا يملكون فلسفةً حقيقيّةً ولا إيمانًا بالفكرة، لذا ترقى كتاباتهم لتكون تجريبًا حتى، بل هي محاولاتٌ واضحةٌ للتّسلق على جدران الفلسفة العبثيّة التي وإن لم توجد الحلول فهي تعري الواقع وتحاول أن تخلق معنىً يكتمل ويتشكل في ذهن المتلقي.

فالأدب العبثي الحقيقي بدل أن يميت الرّوح يُعيد إليها صحوتها، والجزء الأكبر من جماليات أدب العبث يكمن في ذلك الإصرار الإنسانيّ على خلق المعنى في مكان قيل لنا أنّه بلا معنى.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك