الجزيرة نت - السينما الفلسطينية في شيفيلد.. مشاريع جديدة وأفلام تنافس على الجوائز الدولية القدس العربي - البرلمانية إلهان عمر تصوّت ضد مشروع دعم أوكرانيا وتفرض نفسها الصوت الديمقراطي الوحيد الرافض للعقوبات على روسيا قناة الجزيرة مباشر - Senegal's new government holds its first meeting after taking office قناة الشرق للأخبار - إنجاز صناعي جديد.. المغرب يتربع على عرش الصناعة في أفريقيا الجزيرة نت - ماذا سيفعل الأردن أمام هذا المقترح الخبيث؟ DW عربية - "وادي موسى ".. سكان بلدة هولندية ضد منح شوارعهم أسماء عربية الجزيرة نت - مباراة مصر ضد البرازيل قناه الحدث - العربية تستطلع آراء اللبنانيين حول إعلان وقف إطلاق النار CNN بالعربية - وسط مفاوضات إيران.. ويتكوف وكوشنر يلتقيان خبراء في منشأة نووية أمريكية التلفزيون العربي - لقاح ابتُكر بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي.. ماذا قيل عن فاعليته؟
عامة

فصل الدين عن الدولة.. من إصلاح السودان إلى إعادة تأسيسه

سودانايل الإلكترونية
3

من بين جميع بنود إعلان مبادئ نيروبي، لم يكن النص المتعلق بفصل الدين عن الدولة مجرد الأكثر إثارة للجدل، بل ربما كان الأكثر دلالة على التحول الذي أحدثته الحرب في التفكير السياسي السوداني نفسه.فالقضية ...

ملخص مرصد
أثار بند فصل الدين عن الدولة في إعلان نيروبي جدلاً واسعاً حول مستقبل الدولة السودانية، مشيراً إلى تحول في التفكير السياسي من إصلاح الدولة إلى إعادة تأسيسها بعد الحرب. بحسب النص، لم تعد الصيغة القديمة للدولة قادرة على الاستمرار، بل أصبحت موضع مساءلة وجودية بسبب انهيارها في توفير الأمن والاستقرار. وأكد أن الأزمة لم تعد تتعلق بمن يحكم، بل بطبيعة الدولة نفسها التي بُنيت عليها منذ الاستقلال.
  • بند فصل الدين عن الدولة في إعلان نيروبي أثار جدلاً واسعاً حول مستقبل الدولة السودانية
  • الحرب كشفت أن الدولة القديمة لم تعد قادرة على توفير الأمن والاستقرار
  • الأزمة أصبحت تتعلق بطبيعة الدولة نفسها وليس بمن يحكم فحسب
أين: السودان

من بين جميع بنود إعلان مبادئ نيروبي، لم يكن النص المتعلق بفصل الدين عن الدولة مجرد الأكثر إثارة للجدل، بل ربما كان الأكثر دلالة على التحول الذي أحدثته الحرب في التفكير السياسي السوداني نفسه.

فالقضية هنا لا تتعلق بعلاقة الدين بالدولة بالمعنى التقليدي الذي استهلكته السجالات السودانية لعقود، بقدر ما تتعلق بسؤال آخر ظل مؤجلاً لفترة طويلة.

هل ما زالت الصيغة التي حُكم بها السودان منذ الاستقلال قابلة للإصلاح، أم أن الحرب دفعت البلاد إلى لحظة لم يعد فيها النقاش يدور حول إصلاح الدولة، بل حول إعادة تأسيسها؟ومن هذه الزاوية يكتسب بند فصل الدين عن الدولة أهميته الحقيقية، فالقيمة السياسية والفكرية لهذا الطرح لا تكمن في مضمونه وحده، بل في توقيته أيضاً.

إن الإجابة عن هذا السؤال تقود إلى ما هو أبعد من الجدل حول العلمانية أو الهوية، وتقود مباشرة إلى الأزمة التي كشفتها الحرب في بنية الدولة السودانية نفسها.

فما يستحق التوقف ليس أن البند طُرح، بل أنه طُرح الآن.

لم يظهر بهذه الصراحة قبل عشر سنوات، ولم يتصدر المشهد بهذه الحدة في 2019، لأن تلك اللحظة كانت لا تزال مشدودة إلى رهان إصلاح الدولة من داخل بنيتها القديمة.

كان كثيرون يظنون أن المشكلة في رأس السلطة لا في بنية الدولة، في الحكومة لا في النموذج، في الانقلاب لا في الشروط التي تجعل الانقلاب ممكناً ومتكرراً.

ما كشفته الحرب لم يكن مجرد خلل في موازين القوى أو عجزاً في إدارة الصراع، بل حدود التصور الذي ساد النقاش السياسي السوداني لسنوات طويلة.

فقد انصب الجدل في معظمه على شكل السلطة وتوزيعها وكيفية إدارة الدولة، بينما بقيت الأسس التي قامت عليها الدولة نفسها خارج دائرة المراجعة الجدية.

ومع اتساع نطاق الانهيار الذي كشفت عنه الحرب، لم يعد ممكناً التعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة حكم أو توازنات سياسية فحسب، بل باعتبارها أزمة تتصل بطبيعة الدولة نفسها وبالمرتكزات التي تشكلت عليها منذ الاستقلال.

وكانت الحرب هي الاختبار الذي انهارت أمامه هذه المرتكزات.

لم يعد الجيش يظهر بوصفه المؤسسة الوطنية المتعالية على الصراع، بل طرفاً مسلحاً داخل صراع على السلطة والسيادة والتمثيل.

ولم تعد مؤسسات الدولة تبدو كجسم صلب يمكن ترميمه بعد المعركة، بل كغلاف هش انهار سريعاً عندما اختُبرت قدرته على حماية المجتمع.

ولم تعد الدولة القديمة قادرة على ادعاء أنها الإطار الجامع، لأنها تحولت أمام أعين الناس إلى مساحة اقتتال لا إلى مظلة حماية.

قبل الحرب كان ممكناً التعامل مع عبارة الدولة المدنية بوصفها صيغة سياسية واسعة تستوعب تباينات كثيرة وتجمع أطرافاً مختلفة حول حد أدنى مشترك.

وكانت عبارة نافعة سياسياً لأنها تقول الكثير وتخفي الأكثر.

لكنها بعد الحرب فقدت قدرتها على التغطية.

فحين تنهار الدولة لا يعود ممكناً الاكتفاء بطلاء مدني فوق بنية قديمة.

وحين تسقط المؤسسات بهذا العنف، يصبح الحديث عن الانتقال وحده نوعاً من الهروب من استحقاق التأسيس.

ولم يكن تجنب هذا الطرح في الخطاب المدني السابق ناتجاً عن غياب القناعة به بالضرورة، بقدر ما كان مرتبطاً بالكلفة السياسية للاقتراب من واحدة من أكثر قضايا السودان حساسية واستقطاباً.

فلعقود طويلة ظل الحديث عن العلاقة بين الدين والدولة قادراً على تفجير استقطابات حادة تتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية، ولذلك فضلت قطاعات واسعة من القوى المدنية الاحتماء بصيغ أكثر عمومية تتعلق بالدولة المدنية والتحول الديمقراطي وبناء المؤسسات.

وكان ذلك انعكاساً لواقع سياسي واجتماعي جعل الاقتراب المباشر من هذه المنطقة أكثر كلفة من خوضه.

وما يمنح بند فصل الدين عن الدولة في إعلان نيروبي أهميته الحقيقية ليس أنه يقترح ترتيباً دستورياً مختلفاً فحسب، بل أنه يقترب من واحدة من العقد التي رافقت بناء الدولة السودانية منذ الاستقلال.

فالمشكلة لم تكن في وجود الدين داخل المجتمع، بل في الطريقة التي استُخدم بها داخل الدولة لتثبيت شرعية مركز سياسي بعينه، ومنح السلطة قدرة على الحديث باسم الوطن والدين في وقت واحد.

وحين تفعل الدولة ذلك، لا يعود الخلاف معها خلافاً حول سياسات يمكن نقدها وتغييرها، بل يتحول إلى خروج على تعريف جاهز للوطن والهوية والإيمان.

ومن هنا لا يبدو فصل الدين عن الدولة محاولة لإقصاء الدين من المجال العام، بل محاولة لكسر هذه الحلقة التي جعلت السلطة فوق المساءلة، وجعلت السياسة محكومة بمن يملك حق تعريف المقدس لا بمن يملك برنامجاً لإدارة دولة تتسع للجميع.

الدولة القديمة لم تكن تمنح المواطنين حقوقهم باعتبارها حقوقاً أصيلة، بل باعتبارها امتيازات تُمنح داخل ترتيب هرمي غير معلن.

كانت هناك دائماً جماعة أقرب إلى تعريف الدولة السودانية الكاملة، وأخرى أبعد.

جماعة أقرب إلى المركز، وأخرى على الهامش.

جماعة تبدو كأنها المالك الطبيعي للوطن، وأخرى مطالبة باستمرار بإثبات انتمائها له.

في مثل هذه البنية لا يصبح المختلف صاحب حق كامل، بل موضوعاً للتسامح.

والتسامح في جوهره ليس مساواة.

إنه علاقة غير متكافئة بين طرف يملك سلطة القبول وطرف ينتظر هذا القبول.

ومن هنا لا تتمثل القيمة الأعمق لفصل الدين عن الدولة في حياد الدولة فحسب، بل في نقل العلاقة بين المواطنين من منطق التسامح المشروط إلى منطق الاعتراف المتبادل.

أي الاعتراف بأن الحقوق لا تمنحها أغلبية ولا تصادرها أقلية، لأنها حق أصيل لا يملك أحد سلطة منحه أو سلبه.

وهنا تظهر مفارقة أخرى غالباً ما تغيب عن النقاش.

ففصل الدين عن الدولة يُقدَّم عادة باعتباره حماية للدولة من هيمنة الدين، بينما تدفع التجربة السودانية إلى التفكير في الاتجاه المعاكس.

من يحمي الدين من الدولة؟حين تتبنى السلطة ديناً معيناً فإنها لا ترفعه بالضرورة، بل تبدأ في توظيفه.

ومع الوقت لا يعود الدين مرجعاً أخلاقياً يراقب السلطة، بل يتحول إلى أحد أدواتها.

وتفقد القيم الدينية قدرتها على مساءلة الحاكم عندما تصبح جزءاً من الجهاز الذي يمنحه الشرعية.

وهنا لا تتضرر السياسة وحدها، بل يتضرر الدين نفسه، لأنه يُسحب من مجاله الطبيعي بوصفه فضاءً للإيمان والضمير، ويُدفع إلى قلب صراعات السلطة والمصالح.

فالدولة القديمة لم تحكم بالسلاح فقط، بل بنمط كامل من التفكير السياسي يرى الحاكم راعياً والمجتمع رعية.

سلطة تعرف أكثر، وتقرر أكثر، وترى نفسها وصية على الناس لا ممثلة لهم.

وفي هذا النموذج يصبح الدين أداة مثالية لتعزيز الوصاية.

فالمعارضة لا تُعامل باعتبارها اختلافاً سياسياً طبيعياً، بل بوصفها خروجاً على الجماعة أو تشكيكاً في الثوابت.

وهكذا لا تعود السلطة بحاجة إلى تبرير قراراتها أمام المواطنين بقدر حاجتها إلى إضفاء معنى أخلاقي عليها.

بهذه الطريقة لا تُستخدم العقيدة فقط لتبرير السلطة، بل لتعطيل النقد نفسه.

ولهذا فإن فصل الدين عن الدولة لا يبدو مجرد تعديل دستوري، بل تغييراً في الأساس الذي تستند إليه الشرعية السياسية.

فهو ينقلها من مرجعية لا يملك المواطن مساءلتها أو محاسبتها إلى مرجعية تقوم على الإرادة العامة والعقد الاجتماعي.

وعندها لا يعود الحاكم وصياً على المجتمع، بل مسؤولاً أمامه، ولا تعود الطاعة فضيلة سياسية بحد ذاتها، بل تصبح شرعية السلطة مرتبطة بقدرتها على الإقناع والمحاسبة والتغيير.

غير أن الحرب لم تضع شرعية الدولة القديمة موضع مساءلة سياسية فقط، بل موضع مساءلة وجودية أيضاً.

فالدولة في أبسط تعريفاتها لا تُطلب لذاتها، بل لما توفره من أمن وحماية يمنعان المجتمع من الانزلاق إلى العنف المفتوح.

وهذا هو الجوهر الذي انطلق منه توماس هوبز عندما ربط نشأة الدولة بحاجة البشر إلى الخروج من حالة الصراع الدائم.

لكن المأزق السوداني أن الدولة التي كان يفترض أن تؤدي هذه الوظيفة الأساسية تحولت هي نفسها إلى جزء من الأزمة، لا إلى الضمانة التي تحمي المجتمع منها.

ومن هذه الزاوية لا تبدو الحرب الحالية مجرد مواجهة بين قوى متصارعة على السلطة، بل لحظة كشفت حدود النموذج الذي قامت عليه الدولة السودانية لعقود طويلة.

فالأزمة لم تعد تتعلق بمن يحكم، بل بما إذا كانت الأسس التي بُنيت عليها الدولة قادرة أصلاً على إنتاج الاستقرار والتعايش والمواطنة المتساوية في مجتمع شديد التنوع والتعقيد.

لذلك لا يبدو بند فصل الدين عن الدولة في إعلان نيروبي تفصيلاً داخل وثيقة سياسية، بل إشارة إلى انتقال في زاوية النظر.

من إصلاح الدولة إلى مساءلة الدولة.

ومن البحث عن مدنيين يديرون الجهاز القديم إلى البحث في طبيعة الجهاز نفسه.

ومن الانشغال بمن يحكم إلى التفكير في الصيغة التي حُكم بها السودان حتى انتهى إلى هذا المأزق.

وربما يكون أهم ما في هذا البند أنه لا يعلن انتصار فكرة جديدة بقدر ما يعلن استنفاد الصيغة القديمة لقدرتها على الاستمرار.

فهو لا يقول إن الطريق إلى المستقبل أصبح واضحاً، لكنه يقول إن الطريق الذي سلكه السودان لعقود لم يعد قادراً على إنتاج المخرج الذي يبحث عنه.

ليست أهمية ما جرى في نيروبي أنه حسم الجدل حول الدين والدولة، فمثل هذه القضايا لا تُحسم بوثيقة سياسية واحدة.

أهميته أنه كشف أن الأزمة السودانية أعمق من صراع على السلطة وأكبر من خلاف حول هوية الدولة.

فالحرب لم تضع الحكومات موضع مساءلة فحسب، بل وضعت النموذج الذي أُدير به السودان لعقود طويلة تحت الاختبار.

وربما تكون القيمة الحقيقية لهذا البند أنه لا يقدم إجابة نهائية، بقدر ما يعلن أن الإجابات القديمة فقدت قدرتها على الاستمرار.

وأن الطريق إلى المستقبل لن يبدأ من تغيير من يدير الدولة، بل من الاعتراف بأن الدولة التي عرفها السودان لعقود لم تعد قادرة على حمل أعباء المستقبل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك