طرابلس 5 يونيو 2026 (شينخوا) تعد الشواطئ الليبية التي تمتد بساحل يتجاوز طوله 1900 كيلومتر على البحر المتوسط، ملاذا حيويا لإكثار السلاحف البحرية، مقارنة ببعض دول البحر الأبيض المتوسط التي تتعرض سواحلها للتوسع العمراني والسياحي الكثيف، ما يؤثر على البيئة الطبيعية للسلاحف.
وتمثل السلاحف البحرية واحدة من أقدم الكائنات الحية التي ما تزال تجوب البحار منذ ملايين السنين، وتعد عنصرا أساسيا في الحفاظ على التوازن البيئي، ومع اقتراب موسم التعشيش السنوي تتصاعد التحذيرات البيئية من المخاطر التي تهدد هذه النوعية من الكائنات النادرة.
ورغم هذه المزايا الطبيعية، تواجه السلاحف البحرية في ليبيا تحديات متزايدة، أبرزها التلوث البلاستيكي الذي يتمثل في تجمع ونمو النفايات الاصطناعية والذي يتسبب في تدمير البيئة، وكذلك الصيد العرضي الخاص بصيد كائنات بحرية غير مستهدفة بطريقة غير مقصودة أثناء عملية الصيد التجاري أو الحرفي لأنواع أخرى، وأخيرا التوسع العمراني الساحلي.
وقال رئيس قسم حماية الأحياء البحرية والبرية بوزارة البيئة بحكومة الوحدة الوطنية مختار القيلوشي، لوكالة أنباء ((شينخوا)) بمناسبة اليوم العالمي للبيئة الذى يصادف 5 يونيو في كل عام، إن السواحل الليبية تُعد من أهم مناطق تعشيش سلاحف ضخمة، مشيرا إلى أن أعداد الأعشاش في المناطق التي تتم تغطيتها ميدانيا تتجاوز ألف عش سنويا، رغم أن العديد من مواقع التعشيش ما تزال خارج نطاق الرصد بسبب نقص الإمكانيات.
وأضاف القيلوشي أن ابتلاع المخلفات البلاستيكية يؤدي إلى انسداد الجهاز الهضمي أو نفوق السلاحف البحرية، ويعد ذلك من أبرز ما يهدد السلاحف.
من جهته، قال الناشط البيئي وعضو البرنامج الليبي لحماية السلاحف البحرية أشرف مفتاح قليدان، لـ ((شينخوا))، إن" طول الساحل الليبي والموقع الجغرافي والمناخ ونقاوة مياه البحر، كلها عوامل جعلت الشواطئ الليبية من أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في المتوسط".
وأضاف أن أكثر مناطق التعشيش كثافة تتركز في وسط ليبيا، خاصة شواطئ مدينتي مصراتة وسرت، إضافة إلى مناطق أخرى مثل شواطئ خليج سرت الممتدة بين شرق وغرب ليبيا، وشواطئ عين الغزالة شرق ليبيا الممتدة حتى مدينة طبرق.
وفي السياق ذاته، أكد أستاذ علوم البحار بكلية العلوم في جامعة طرابلس إسماعيل شقمان، لـ ((شينخوا))، أن ملاءمة درجات الحرارة وطبيعة الرمال في السواحل الليبية تساعدان على نجاح عمليات التعشيش والفقس، مشيرا إلى أن الدراسات وبرامج الرصد الميداني خلال السنوات الأخيرة سجلت مئات الأعشاش سنويا على الساحل الليبي، خصوصا في المناطق الشرقية والوسطى، " إلا أن الإحصائيات لا تزال بحاجة إلى تحديث مستمر بسبب محدودية برامج الرصد والإمكانات الفنية والمالية".
وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) إلى أن نحو 80 % من السلاحف البحرية في بعض مناطق المتوسط تتأثر بالنفايات البحرية.
ووفقا لمنظمة الصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، فإن سلاحف ضخمة الرأس تُصنف ضمن الأنواع المهددة بسبب الصيد العرضي والتلوث البلاستيكي والتغيرات المناخية، وتشير تقديرات المنظمة إلى أن أكثر من 132 ألف سلحفاة بحرية تعلق سنويا في شباك الصيد بالبحر المتوسط، بينما تنفق أكثر من 44 ألف سلحفاة نتيجة الصيد العرضي.
وأفاد شقمان أن السلاحف الصغيرة تعتمد طبيعيًا على انعكاس ضوء القمر فوق سطح البحر لتحديد اتجاهها، وعندما توجد أضواء صناعية بالقرب من الشواطئ، فإنها تنجذب نحو اليابسة بدل البحر، ما يرفع احتمالات نفوقها.
وأضاف أن نسبة نجاة السلاحف الصغيرة بعد خروجها من الأعشاش منخفضة جدا، إذ يُقدر أن سلحفاة واحدة فقط من بين كل ألف سلحفاة صغيرة تصل إلى مرحلة البلوغ بسبب الافتراس والعوامل البيئية المختلفة.
وقال القيلوشي إن السلاحف تساعد في المحافظة على التوازن البيئي والسلسلة الغذائية، موضحًا أن" تراجع أعداد السلاحف قد يؤدي إلى زيادة أعداد قناديل البحر بشكل يؤثر على البيئة البحرية والثروة السمكية".
-- تشريعات تجرم صيد السلاحفوأكد شقمان أن ليبيا تمتلك تشريعات تُجرّم صيد السلاحف البحرية والاعتداء على الأحياء البحرية المهددة، إلى جانب انضمامها إلى عدة اتفاقيات دولية لحماية التنوع البيولوجي، لكنه شدد على أن" التحدي الحقيقي يكمن في تنفيذ القوانين وتعزيز الرقابة البيئية الميدانية".
وفي جولة ميدانية لـ ((شينخوا)) في أحد أماكن تعشيش السلاحف على الساحل الليبي، وهي شواطئ مدينة زوارة غرب ليبيا تحديداعلى شواطئ جزيرة فروة، التقينا نادر نجيب العزابي، مدير جمعية بيسيدا لحماية جزيرة وبحيرة فروة بغربي ليبيا، الذي قال إن جهود التوعية البيئية التي تقودها الجمعيات المحلية والجهات المعنية أسهمت بشكل ملحوظ في زيادة أعداد أعشاش السلاحف البحرية المهددة بالانقراض في الجزيرة خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح العزابي، البالغ من العمر (37 عاما) أن فكرة تأسيس الجمعية قبل نحو 13 عاما جاءت استجابة للمشكلات البيئية التي كانت تواجه جزيرة فروة، وعلى رأسها التراجع الحاد في أعداد السلاحف البحرية وتكاثرها.
وأضاف أن عدد الأعشاش المسجلة في عام 2013 لم يتجاوز أربعة أو خمسة أعشاش، بينما ارتفع خلال العام الماضي إلى نحو 120 عشا، في زيادة وصفها بأنها" كبيرة وغير متوقعة"، بفضل برامج التوعية والحملات البيئية المستمرة.
وروى العزابي قصة سلحفاة بحرية أطلق عليها اسم" فروة" نسبة إلى الجزيرة، تعرضت لإصابة خطيرة في الرأس نتيجة اعتداء أثناء وجودها في البحر، وقال إن الجمعية تكفلت برعايتها وتقديم العلاج اللازم لها لأكثر من شهر، بعدما كانت في حالة صحية حرجة وغير قادرة على التغذية، إلى أن تعافت وعادت إلى وضعها الطبيعي.
من جانبه قال حكيم غالي قندوز (57 عاما) رئيس قسم النشاط بجمعية بيسيدا، إن عمله في مجال حماية السلاحف البحرية بدأ بشكل تطوعي، قبل أن يدرك هو وزملاؤه أهمية هذه الجهود في الحفاظ على التوازن البيئي وإعادة تأهيل النظام البيئي البحري.
وأوضح أن أكثر ما لفت انتباهه هو التحسن الذي شهدته السلاحف البحرية على الساحل الليبي خلال السنوات الأخيرة.
وتبقى السلاحف البحرية جزءًا من التراث الطبيعي الليبي والمتوسطي، فيما يرى خبراء البيئة أن الحفاظ عليها يمثل استثمارا طويل الأمد في مستقبل البيئة البحرية للأجيال القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك