في واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في فبراير 2026، فتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الباب أمام احتمال لقاء المرشد الأعلى الإيراني الجديد آية الله مجتبى خامنئي، مؤكدًا أن مثل هذا اللقاء سيكون “شرفًا” له إذا نجحت المفاوضات الجارية بين البلدين في التوصل إلى اتفاق ينهي المواجهة المستمرة منذ أكثر من أربعة أشهر.
وقالت صحيفة “واشنطن تايمز” إن التصريح لم يكن عاديًا، فالرئيس الأمريكي الذي أشرف على واحدة من أعنف الحملات العسكرية ضد إيران عاد ليطرح إمكانية الجلوس وجهًا لوجه مع الزعيم الذي خلف والده بعد مقتله خلال الحرب، وبينما لا تزال آثار الصراع العسكري ماثلة في المنطقة، يبدو أن واشنطن وطهران تتحركان ببطء نحو مسار تفاوضي جديد قد يعيد رسم ملامح العلاقة بين البلدين.
تصريح من المكتب البيضاوي أثار الانتباهخلال حديثه للصحفيين في المكتب البيضاوي، قال ترامب إنه لا يسعى شخصيًا إلى عقد لقاء مع المرشد الإيراني، لكنه أوضح أنه سيكون منفتحًا على الفكرة إذا ساعدت في إنجاز اتفاق سياسي أو نووي مع طهران.
وأضاف أنه سيكون “سعيدًا” في حال تم اللقاء، رغم اعترافه بأنه على الأرجح ليس “الشخص المفضل” لدى مجتبى خامنئي، في إشارة إلى الدور الأمريكي في الحرب الأخيرة وما ترتب عليها من خسائر كبيرة في صفوف القيادة الإيرانية.
وتعكس هذه التصريحات تحولًا ملحوظًا في نبرة البيت الأبيض، فبعد أشهر من خطاب الردع والقوة العسكرية، بدأت الإدارة الأمريكية تتحدث عن إمكانية لقاء مباشر بين أعلى مستوى قيادي في البلدين.
مجتبى خامنئي.
الرجل الغامض الذي أصبح مركز القرارمنذ توليه منصب المرشد الأعلى، ظل مجتبى خامنئي شخصية غامضة إلى حد كبير، إذ لم يظهر علنًا إلا نادرًا، وتضاربت التقارير حول وضعه بعد الحرب، في وقت تشير فيه تقديرات أمريكية إلى أنه يلعب دورًا متزايدًا في توجيه السياسة الإيرانية واتخاذ القرارات المتعلقة بالمفاوضات الجارية مع واشنطن.
وأبلغ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أعضاء الكونجرس بأن المرشد الجديد بات “منخرطًا بشكل متزايد” في إدارة شؤون الدولة ومتابعة المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، ما يعزز الاعتقاد بأن أي اتفاق مستقبلي لن يكون ممكنًا دون موافقته الشخصية.
دبلوماسية ترامب الشخصية تعود من جديدمن المعروف أن أسلوب ترامب السياسي يقوم على فكرة اللقاءات المباشرة مع الخصوم، وهو ما ظهر سابقًا في قممه مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وعلاقاته المعلنة مع قادة دول كبرى مثل الصين.
ويرى ترامب أن العلاقات الشخصية بين القادة يمكن أن تحقق ما تعجز عنه المؤسسات الدبلوماسية التقليدية، لذلك لا يبدو مستغربًا أن يلمح إلى إمكانية لقاء المرشد الإيراني، حتى بعد حرب كانت من أخطر المواجهات في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.
في المقابل، يرى منتقدون أن هذا النهج يمنح الخصوم شرعية سياسية إضافية، بينما يعتبره مؤيدوه وسيلة فعالة لكسر الجمود وفتح مسارات تفاوضية جديدة.
العقوبات واليورانيوم.
العقدة الأساسيةورغم الضجة المثارة حول احتمال اللقاء، فإن جوهر المفاوضات لا يزال يتمحور حول الملف النووي الإيراني، إذ تصر الإدارة الأمريكية على أن أي تخفيف للعقوبات يجب أن يقترن بخطوات ملموسة تتعلق ببرنامج تخصيب اليورانيوم، مع تأكيدات على ضرورة إخضاعه لرقابة صارمة أو تفكيك عناصره الأساسية.
في المقابل، أكد ترامب أن الولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى اتفاق للوصول إلى مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا منه أصبح “مدفونًا” أو غير قابل للاستخدام الفوري بعد العمليات العسكرية الأخيرة، وفقًا لصحيفة “نيويورك بوست”.
هل يقترب الاتفاق أم تتعقد الأزمة؟ورغم النبرة المتفائلة، فإن المفاوضات لا تزال غير مباشرة، مع استمرار الخلافات حول العقوبات ومستقبل البرنامج الصاروخي الإيراني وترتيبات الأمن الإقليمي.
كما أن الحرب الأخيرة تركت آثارًا عميقة على الطرفين، إذ تواجه القيادة الإيرانية الجديدة تحديات داخلية، بينما تتعرض الإدارة الأمريكية لضغوط من الكونجرس والرأي العام لتجنب أي تنازلات كبيرة.
ومع ذلك، فإن انتقال الخطاب من المواجهة العسكرية إلى احتمالات اللقاءات المباشرة يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الطرفين بأن كلفة التصعيد قد تفوق كلفة التفاوض.
في حال تحقق اللقاء بين ترامب ومجتبى خامنئي، فإنه لن يكون اجتماعًا بروتوكوليًا عاديًا، بل حدثًا ذا رمزية سياسية كبرى، نظرًا لكونه يجمع طرفي حرب غيرت موازين القوى في المنطقة.
لكن الطريق إلى هذه اللحظة لا يزال غير محسوم، إذ لا يوجد اتفاق نهائي أو موعد للقاء أو ضمانات للنجاح، بل مجرد مؤشرات على أن الحوار، الذي كان مستبعدًا قبل أشهر، أصبح اليوم احتمالًا قائمًا على الطاولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك