في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه التواصل بين الشعوب والثقافات، تبرز الفنون بوصفها لغة إنسانية قادرة على تجاوز الحدود والحواجز.
ومن بين هذه الفنون، تحتفظ الطبول بمكانة خاصة باعتبارها إحدى أقدم وسائل التعبير الجماعي في التاريخ، وهو ما تجسده فعاليات مهرجان الطبول الدولي للفنون التراثية الذي يقام تحت رعاية وزارة الثقافة بقيادة الدكتورة جيهان زكي، ويجمع عشرات الفرق والفنانين من مختلف دول العالم تحت مظلة واحدة عنوانها الحوار والسلام.
ورغم أن الطبلة تبدو للوهلة الأولى مجرد آلة موسيقية تصدر إيقاعات متتابعة، فإن تاريخها يكشف عن دور أعمق بكثير.
فقد استخدمتها الشعوب القديمة كوسيلة لنقل الرسائل والأخبار والتنبيه إلى الأخطار والدعوة إلى التجمعات والاحتفالات، حتى أصبحت في بعض الحضارات لغة قائمة بذاتها يفهمها أفراد المجتمع من خلال أنماط إيقاعية محددة.
ولم تفقد الطبول هذه القدرة مع تطور وسائل الاتصال الحديثة، بل تحولت إلى رمز عالمي للتواصل الثقافي.
فحين تصدح الإيقاعات في ساحات المهرجانات الدولية، لا يحتاج الجمهور إلى ترجمة أو شرح لفهم المشاعر التي تنقلها الموسيقى.
إذ تستطيع ضربة قوية أن تعبر عن الحماس، بينما تنقل الإيقاعات الهادئة مشاعر التأمل والسكينة، لتصبح الموسيقى رسالة مباشرة تصل إلى الوجدان الإنساني.
ويقدم مهرجان الطبول الدولي نموذجًا عمليًا لهذه الفلسفة، حيث تتحول القاهرة خلال أيام المهرجان إلى ملتقى عالمي للثقافات.
فرق من قارات مختلفة تحمل تراثها الموسيقي إلى الجمهور المصري، فيما تتبادل الشعوب رسائلها الفنية عبر الإيقاع والحركة والاستعراضات الشعبية، في مشهد يؤكد أن التنوع الثقافي يمكن أن يكون مصدرًا للتقارب لا للاختلاف.
ويكتسب اختيار الفنان والباحث انتصار عبد الفتاح شخصية العام في الدورة الثانية عشرة للمهرجان دلالة خاصة، نظرًا لما قدمه من جهود في توثيق وإحياء التراث الموسيقي المصري والعربي.
فقد ارتبط اسمه بمشروعات فنية سعت إلى استعادة عناصر الهوية الثقافية المصرية وتقديمها للأجيال الجديدة في صورة معاصرة تحافظ على أصالتها.
ويرى متخصصون في الموسيقى التراثية أن سر تأثير الطبول يكمن في ارتباطها المباشر بالفطرة الإنسانية.
فالإيقاع يعد أحد أقدم أشكال التعبير التي عرفها الإنسان، إذ ارتبط منذ القدم بالحركة والعمل والاحتفال والطقوس الاجتماعية والدينية، ما جعل الاستجابة له أمرًا يكاد يكون مشتركًا بين مختلف الشعوب.
كما تؤدي المهرجانات التراثية دورًا يتجاوز الجانب الفني، إذ تسهم في تعزيز السياحة الثقافية وإبراز صورة الدول بوصفها مراكز للحوار والتنوع.
وفي هذا الإطار، ينجح مهرجان الطبول في تقديم صورة مختلفة عن القاهرة، حيث تتحول المواقع التاريخية والشوارع التراثية إلى مسارح مفتوحة تستقبل فنون العالم وتمنح الجمهور فرصة للتفاعل المباشر معها.
وتؤكد التجربة المتواصلة للمهرجان أن الفن لا يزال قادرًا على أداء دور مؤثر في التقريب بين البشر، مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم.
فبينما تحتاج الكلمات إلى مترجم، تستطيع إيقاعات بسيطة صادرة من طبلة أن تحمل رسالة مفهومة للجميع، وأن تفتح بابًا للتواصل الإنساني يتجاوز السياسة والجغرافيا والاختلافات الثقافية.
لذلك لم تعد الطبول مجرد أداة موسيقية تصاحب الأغنيات والعروض الفنية، بل أصبحت رمزًا لقوة الثقافة الناعمة وقدرتها على بناء الجسور بين الشعوب.
وبين كل ضربة وأخرى، تظل الرسالة الأهم حاضرة: أن الإيقاع المشترك قد يكون الطريق الأقصر نحو التفاهم والسلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك