يبدأ البابا لاوون الرابع عشر زيارة رسمية إلى إسبانيا غداً السبت تستمر حتى الخميس المقبل، تحمل أبعاداً سياسية ورمزية فيما وراء الطابع الكنسي التقليدي، وتأتي في وقت عصيب على حكومة بيدرو سانشيز.
وبحسب الفاتيكان، تشمل الزيارة ثلاثة أماكن رئيسية: العاصمة مدريد، وبرشلونة ثم جزر الكناري.
والواضح أن إدارة الفاتيكان اختارت الأماكن التي سيزورها البابا بعناية فائقة، وليس من باب المصادفة أن تكون دلالاتها مناسبة سياسياً واجتماعياً لأجندة سانشيز الذي تتعرض حكومته داخلياً لواحدة من أكبر أزمات الفساد، فضلاً عن ضغوطات حلفائه في الحكومة والمطالبة بتوضيحات حول ملفات أموال وقضايا فساد متعلقة بحزبه، إضافة إلى معارضة شرسة لا تتوقف عن التفاوض مع الأحزاب القومية من أجل حجب الثقة عنه.
في هذا السياق الداخلي، تبدو زيارة البابا لاوون الرابع عشر، من حيث الرسالة والجوهر، متناسبة مع مواقف حكومة سانشيز التقدمية، إذ يظهر أن خيارات إدارة الفاتيكان ذات بعد سياسي واجتماعي أيضاً.
وأول هذه الأبعاد هي أنها لن تبدأ من القصر الملكي أو البرلمان الإسباني، إنما من مركز إيواء مهاجرين في حي شعبي بمدريد، في إشارة واضحة إلى غاية الكنيسة بالاقتراب من الفئات المهمشة.
يلتقي هذا البعد، بشكل أو بآخر، مع الخطاب الاجتماعي الذي تطرحه حكومة سانشيز، والذي تدافع عن هذه الفئة.
ويصب في هذا الإطار مرسوم التسوية الاستثنائية لأكثر من نصف مليون مهاجر غير نظامي.
من جهة أخرى، يحمل اختيار ساحة" سيبيليس" في مدريد لإقامة قداس ديني بعداً آخر يتجاوز الدين إلى المجال العام.
فالرسالة هنا أن الكنيسة تريد استعادة حضورها في الفضاء المدني والسياسي، ولكن من خلال خطاب أخلاقي يرتكز على العدالة والكرامة الإنسانية والسلام الاجتماعي.
ورغم أن سانشيز قاد إصلاحات ذات طابع علماني أثارت توتراً مع بعض الأوساط الكنسية والمحافظة، فإن زيارة البابا الحالية تبدو أقرب إلى محاولة لبناء أرضية مشتركة بين الكنيسة والحكومة الإسبانية، قائمة على ملفات الهجرة ومحاربة الفقر والعدالة الاجتماعية والمساواة.
ومن المتوقع أن يكون للزيارة تأثير كبير على المستوى الداخلي والخارجي، إذ سيلقي البابا كلمة خلال جلسة مشتركة للبرلمان الإسباني، في سابقة تحمل دلالات سياسية كبيرة.
ومن المتوقع أن يشدد البابا، في كلمته، على موافقه السابقة الرافضة للحرب والعنف، فيما قد يتقاطع مع موقف حكومة سانشيز التي تبنّت موقفاً واضحاً ورافضاً لكل أنواع الحروب، سواء في حرب الإبادة على غزة، أو العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان، أو في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وينظر إلى كلمة البابا داخل البرلمان الإسباني على أنها ستكون بمثابة دعم معنوي وغطاء شرعي لحكومة سانشيز في دفاعها عن السلام والقانون الدولي، وفي إبراز الدور الذي تلعبه الحكومة الإسبانية في إبراز قضايا الكرامة الإنسانية واللجوء والهجرة والحروب.
كما سيزور البابا برشلونة وجزر الكناري، وهي المحطة الأكثر حساسية وتأثيراً على المشهد الداخلي والأوروبي، خصوصاً ميناء أرغينيغين، الذي تحول عبر السنوات الأخير إلى بوابة الهجرة إلى أوروبا.
في أجندة البابا، صلاة مقرّرة مع المهاجرين، وإلقاء ورود في البحر تكريماً لجميع الأموات الذي عبروا البحار في أثناء هجراتهم.
ولا شك أن هذه الخطوة ستكون بمثابة تعميد لسياسات إسبانيا في قضايا الهجرة، خصوصاً في ظل خطاب يميني متطرف في إسبانيا، وأوروبا بشكل عام، يشيطن المهاجرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك